الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِلْسَةٌ خَفِيفَةٌ . إتحاف السادة المتقين (وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ) قَائِمًا فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَنِيبَ ، وَلَوْ خَطَبَ قَاعِدًا ، أَوْ مُضْطَجِعًا لِلْعَجْزِ جَازَ كَالصَّلَاةِ ، وَيَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، سَوَاءٌ قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، أَوْ سَكَتَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَعَدَ لِعَجْزِهِ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ تَصِحُّ الْخُطْبَةُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَهُوَ شَاذٌّ . أَهَـ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ بَعْدَ الْأَذَانِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ، وَلَوْ قَعَدَ فِيهِمَا أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا أَجْزَأَ ، وَكُرِهَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، وَفِي الْوَلْوَالَجِيَّةِ : إِنْ خَطَبَ مُضْطَجِعًا أَجْزَأَهُ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ كُلُّهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَجْهَانِ ، وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ خَطَبَ بِغَيْرِهَا ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا خَطَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ ، وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَا يُجْزِئُهُ . رَوَاهُ بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُهُ . (بَيْنَهُمَا جِلْسَةٌ خَفِيفَةٌ) هِيَ جِلْسَةُ الرَّاحَةِ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ قَدْرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ هَذَا الْقَدْرُ ، وَحَكَى عَنْ نَصِّهِ . أَهَـ . وَهَلْ يَسْكُتُ فِي تِلْكَ الْجَلْسَةِ ، أَوْ يَدْعُو ؟ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ الدُّعَاءُ ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِجَابَةِ ، وَعَلَى الْمُسْتَمِعِينَ الْإِنْصَاتُ ، وَإِحْضَارُ الْقَلْبِ ، وَالطَّلَبُ مِنَ اللَّهِ سِرًّا مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْأَيْدِي . هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْجِلْسَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً قَائِمًا ، فَلَمَّا ثَقُلَ ، وَسَمِنَ خَطَبَهَا خُطْبَتَيْنِ ، فَجَلَسَ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً لِيَسْتَرِيحَ فِيهَا ، وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ : لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرُ يَقْعُدَانِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ قَعَدَ مُعَاوِيَةُ ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَرْثِ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ ، وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا جِلْسَةٌ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا فَقَدْ كَذَبَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية