الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَكَذَا فَرَائِضُ الثَّانِيَةِ أَرْبَعَةٌ إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا الدُّعَاءُ بَدَلَ الْقِرَاءَةِ . ( فَصْلٌ) وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخُطْبَةِ ؛ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ ، وَرُكْنٌ ، وَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَبِهِ أَقُولُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا نَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُشَرِّعَ وُجُوبَهَا ، فَإِنَّهُ شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَزَلْ تُصَلِّيهَا بِخُطْبَةٍ كَمَا فَعَلَتْ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ ، مَعَ إِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَتْ مِنَ الْفُرُوضِ ، وَلَا خُطْبَتُهَا ، وَمَا جَاءَ عِيدٌ قَطُّ إِلَّا وَصَلَّيْتُ الصَّلَاةَ ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ شُرِعَتْ لِلْمَوْعِظَةِ ، وَهُوَ دَاعِي الْحَقِّ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ الَّذِي يَرِدُ إِلَى اللَّهِ لِيَتَأَهَّبَ لِمُنَاجَاتِهِ ، وَمُشَاهَدَتِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، كَمَا سَنَّ النَّافِلَةَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَمَا كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِيَتَنَبَّهَ الْقَلْبُ فِي تِلْكَ النَّافِلَةِ لِمُنَاجَاةِ الْحَقِّ ، وَمُشَاهَدَتِهِ ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي هُوَ مَطْلُوبٌ بِهَا ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الِانْتِبَاهَ أَصْلٌ فِي الطَّرِيقِ - كَالْهَرَوِيِّ ، وَغَيْرِهِ - قَالُوا بِوُجُوبِ الْخُطْبَةِ ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ ، وَأَنَّ الْإِقَامَةَ فِيهَا هُوَ عَيْنُ الِانْتِبَاهِ جَعَلَ الْخُطْبَةَ سُنَّةً رَاتِبَةً يَنْبَغِي أَنْ تُفْعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهَا ، وَلَكِنْ ثَابِرْ عَلَيْهَا ، فَهَكَذَا الِانْتِبَاهُ قَبْلَ الْمُنَاجَاةِ لِلْمُنَاجَاةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الِانْتِبَاهُ فِي عَيْنِ الْمُنَاجَاةِ ، فَرُبَّمَا تُؤَثِّرُ فِي مُنَاجَاتِهِ مَرْتَبَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ . قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالذِّكْرِ هُنَا الْخُطْبَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ : إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ وَلِذِكْرِ اللَّهِ مِنْهَا أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ مَا فِيهَا جَمِيعُ الْأَقْوَالِ ، وَالْأَفْعَالِ ، وَلَكِنْ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ الصَّلَاةِ ، وَالذِّكْرِ ، وَمَيَّزَ ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّذِي يَسْعَى إِلَيْهِ هُوَ الْخُطْبَةُ ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْخُطْبَةِ . قَالَ : ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِهَا فِي الْمُجْزِئِ مِنْهَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَمِنْ قَائِلٍ : لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ ، وَمِنْ قَائِلٍ : أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَالْقَائِلُ بِالْخُطْبَتَيْنِ يَرَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا ، وَيَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَائِمًا يَحْمَدُ اللَّهَ فِي أَوَّلِهَا ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْأُولَى ، وَيَدْعُو فِي الثَّانِيَةِ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتُ الْمِنْبَرِ التَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ ، وَالْخُطْبَةُ الْأُولَى بِمَا يَلِيقُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُقَرِّبَةِ مِنَ اللَّهِ بِالدَّلَائِلِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَالْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ بِمَا يُعْطِيهِ الدُّعَاءُ ، وَالِالْتِجَاءُ مِنَ الذِّلَّةِ ، وَالِافْتِقَارِ ، وَالسُّؤَالِ ، وَالتَّضَرُّعِ فِي التَّوْفِيقِ ، وَالْهِدَايَةِ لِمَا ذَكَرَهُ ، وَأَمَرَهُ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ ، وَقِيَامُهُ فِي حَالِ الْخُطْبَتَيْنِ ؛ أَمَّا فِي الْأُولَى فَبِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنِ الْحَقِّ فِيمَا يُنْذِرُ بِهِ ، وَيُوعِدُ ، فَهُوَ قِيَامُ حَقٍّ بِدَعْوَةِ صِدْقٍ ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فِي الثَّانِيَةِ ، فَقِيَامُ عَبْدٍ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدٍ كَرِيمٍ يَسْأَلُ مِنْهُ الْإِعَانَةَ فِيمَا قَالَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ فِي الْأُولَى مِنَ الْوَصَايَا ، وَأَمَّا الْجِلْسَةُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ الْمَقَامِ الَّذِي يَقْضِيهِ مَقَامُ السُّؤَالِ ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَلَمَّا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ بِإِيجَابِ الْخُطْبَةِ ، وَلَا بِمَا يُقَالُ فِيهَا إِلَّا مُجَرَّدَ فِعْلِهِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنْ نَقُولَ : يَخْطُبُ لُغَةً ، أَوْ شَرْعًا ، إِلَّا أَنَّنَا نَنْظُرُ مَا فَعَلَ فَنَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ عَلَى طَرِيقِ التَّأَسِّي لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ . قَالَ تَعَالَى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، وَقَالَ تَعَالَى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ فِيمَا سَنَّ وَفَرَضَ ، فَنُجَازَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا فَرَضَ جَزَاءَ فَرْضَيْنِ ؛ فَرْضِ الِاتِّبَاعِ ، وَفَرْضِ الْفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِاتِّبَاعُ ، وَنُجَازَى فِيمَا سَنَّ ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ ، جَزَاءَ فَرْضٍ ، وَسُنَّةٍ فَرْضِ الِاتِّبَاعِ ، وَسُنَّةِ الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ ، فَنُجَازَى فِي كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْعَمَلُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ فَرْضِيَّةِ الِاتِّبَاعِ ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية