ص: ( ولا يفطر منفرد بشوال ولو أمن الظهور إلا بمبيح ) ش: يعني أن من انفرد برؤية هلال شوال فلا يجوز له الفطر، سواء خاف أن يظهر عليه أو أمن من الظهور عليه، إلا أن يحصل له عذر يبيح الإفطار من مرض أو سفر أو حيض فيجوز له الفطر، قال ابن ناجي في شرح المدونة : ولا خلاف في جوازه إذا كان العذر مما يخفى معه الفطر، ونصه - بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا أمن من الظهور -: وكل هذا ما لم يكن عذر يخفى معه الفطر، فإن كان فلا خلاف في جوازه، انتهى.
قال ابن عبد السلام : ولو كان مرض يمكنه معه الصوم بلا مشقة فلير هو من [ ص: 390 ] نفسه المشقة ويفطر، وأما إذا لم يحصل عذر يبيح الإفطار فلا يجوز له أن يفطر إذا خاف أن يظهر عليه اتفاقا، وأما إذا أمن من الظهور فقال مالك في العتبية وغيرها: لا يجوز له الفطر، وهو الصحيح لما قد يتطرق إليه من الأذى مع تحصيل غرض الشرع بالفطر بالنية. وقيل: إنه جائز. قاله ابن الجلاب، وحكاه ابن الحاجب، فقال: لم يجز إفطاره على الأصح، واعترضه المصنف في توضيحه بقوله: لم أره منصوصا، وإنما أخرجه اللخمي من مسألة الزوجين يشهد عليهما شاهدان بالطلاق ثلاثا والزوجان يعلمان أنهما شهدا بزور، فقد قيل: إنه لا بأس أن يصيبها خفية، فالأكل مثله من باب أولى ؛ لأن التخفي في الأكل أكثر من الجماع، وكذلك ابن عرفة لم ينقله إلا عن اللخمي، وكأنهما لم يقفا على كلام ابن الحاجب .
تنبيهات :
الأول: هذا كله في الإفطار بغير النية. وأما الإفطار بالنية فحكى ابن عرفة، عن ابن رشد أن المذهب وجوبه، وعن ابن حبيب استحبابه وضعفه، ونصه: والمنفرد بشوال في استحباب فطره حضرا بنية، ووجوبه نقلا ابن رشد عن ابن حبيب مضعفا قوله ، والمذهب ويمنع بالأكل ولو أمن. اللخمي : لا يمنع إن أمن بحضر ولا بسفر مطلقا، انتهى.
وما ذكره عن ابن رشد هو في سماع أبي زيد، ونصه: وأما إذا رأى هلال شوال وحده دون الناس وهو في جماعة، فقال: إنه لا يجوز له أن يفطر إلا باجتماع من الناس، والفطر له فيما بينه وبين الله جائز، بل هو الواجب عليه ؛ لنهيه عليه السلام عن صيام يوم الفطر، لكنه حظره عليه لما فيه من تعريض نفسه للتهمة والعقوبة، ومثل هذا في المدونة والموطأ وغيرهما من الدواوين، وأبينه سماع أصبغ من طلاق السنة ، واستحب ابن حبيب أن ينوي الفطر ولا يظهره. والصحيح : أنه هو الواجب عليه، وإن كان ذلك مخالفا للروايات ؛ لأن الصوم من أفعال القلوب، فلا يجوز له أن يعتقده وهو يعلم أنه حرام، انتهى.
وقال ابن ناجي في شرحه الكبير : ونقل ابن يونس عن أشهب : ولينو الفطر. وهو محتمل للقولين، انتهى.
وقول ابن رشد : وإن كان ذلك مخالفا للروايات، يعني لظاهر الروايات في قولهم: لا يجوز له الفطر، وإلا فليس في الروايات ما يقتضي وجوب الإمساك بالنية، بل قالوا: إذا حصل عذر يبيح له الفطر أفطر بلا خلاف، وسيأتي في كلام ابن عبد السلام : أن ذلك واجب، فدل هذا على أن الأمر بالإمساك إنما هو في الظاهر فقط، والله أعلم.
الثاني: قال ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح : وإن أمكنه أن يأكل عند طلوع الفجر أو عند الغروب فحسن ؛ لأنه إن ظهر عليه حينئذ لم ينسب إلى الغلط.
الثالث: قال ابن عرفة : قال الباجي : يفطر المسافر وحده ؛ لاحتمال رؤية غيره، ولو علم عدم رؤية غيره وجب صومه. ابن زرقون : هذا وهم ؛ لأن للمسافر الفطر إلا أن يريد القصر، قال ابن عرفة : لعله تبع سماع أبي زيد : لا يفطر مسافر في جماعة، وإن كان بمغارة وحده أفطر.
( قلت ) : ما ذكره ابن زرقون ظاهر، وأما ما في سماع أبي زيد فيتعين حمله على أنه يريد أنه لا يجوز له أن يفطر على أن فطره للعيد، وأما إذا أصبح مفطرا على أن فطره للسفر فهذا هو الواجب عليه، قال ابن الحاجب : فإن كان عذر يخفيه كالسفر ونحوه أفطر. قال ابن عبد السلام في شرحه : والحاصل أن الأصل وجوب الفطر عليه، والمانع منه خشية نسبته إلى الفسق، فإذا زال المانع بقي الوجوب على ما كان عليه. ولم يتكلم ابن رشد على ما في سماع أبي زيد من جهة فطره للسفر، بل تكلم على حكم من انفرد بهلال رمضان أو شوال وذكر كلامه الذي ذكرناه أولا، والله أعلم.
الرابع: فهم من كلام ابن عبد السلام أنه إذا حصل العذر وجب الإفطار، وهو ظاهر.
الخامس: قال في التوضيح : فإن ظهر على من يأكل، وقال: رأيت الهلال، فقال أشهب : يعاقب إن كان غير مأمون إلا أن يكون ذكر ذلك قبل وأودعه، وإن كان مأمونا لم يعاقب، [ ص: 391 ] وتقدم إليه أن لا يعود، فإن فعل عوقب إلا أن يكون من أهل الدين والرضا، نقله اللخمي، انتهى.
وفي تبصرة اللخمي : إلا أن يكون من أهل الدين والرضا، فلا يعاقب ويغلظ عليه في الموعظة، انتهى.
ص: ( وفي تلفيق شاهد أوله لآخر آخره، ولزومه بحكم المخالف بشاهد- تردد ) ش: ذكر مسألتين تردد المتأخرون في كل واحدة منهما:
الأولى: إذا شهد شاهد واحد في أول شهر من الشهور فلم يثبت ذلك الشهر بشهادته لانفراده، وشهد آخر في آخره برؤية الشهر الذي بعده على وجه يتضمن تصديق أحدهما للآخر، فهل تضم شهادة أحدهما للآخر أو لا تضم؟ وذلك له صورتان ؛ لأن الشاهد الثاني إما أن يشهد بعد تسعة وعشرين من رؤية الأول أو بعد ثلاثين ، فإن شهد بعد تسعة وعشرين يوما من رؤية الأول فشهادته مصدقة لشهادة الأول إذ لا يمكن رؤية الهلال بعد ثمانية وعشرين يوما، فإن كان ذلك في رمضان فقد اتفقت شهادتهما على أن اليوم الأول من رمضان فيلزم قضاؤه ولا يفطرون ؛ لأن شهادة الأول لا توجب كون هذا اليوم من شوال ؛ لجواز كون الشهر كاملا، وإن شهد الثاني بعد ثلاثين يوما من رؤية الأول فقد اتفقا على أن هذا اليوم من الشهر الثاني فيجب الفطر إن كان ذلك في شوال ولا يلزم قضاء اليوم الأول ؛ لأنهما لم يتفقا على أنه من رمضان إذا علم ذلك، فقال يحيى بن عمر : لا تلفق الشهادتان بحال. وقال بعضهم: تلفق الشهادة في الصورتين على قول من يلفق الشهادة في الأفعال، وقال بعضهم: تلفق في الصورة الأولى دون الثانية، وقال بعضهم بعكسه إن كانت رؤية الثاني في غيم، وإلا بطلتا. قال ابن عرفة : وفي ضم منفرد لآخر فيما يليه.
ثالثها: إن رآه ليلة ثلاثين لرؤية الأول لأحد وثلاثين.
ورابعها: عكسه، إن كانت رؤية الثاني في غيم وإلا بطلتا، وعزا القول الأول في كلامه - وهو الضم مطلقا - لتخريج ابن رشد على ضم الشهادتين الملفقتين فيما يوجبه الحكم ، والقول الثاني - وهو عدم الضم مطلقا - ليحيى بن عمر ، والقول الثالث لنقل ابن رشد عن بعضهم، والقول الرابع للخمي .
وذكر المصنف في التوضيح عن ابن زرقون أنه قال: والصواب قول يحيى بن عمر : لا تلفق الشهادتان بحال، وقال في المقدمات : الصحيح عندي أنه لا فرق بين الصورتين، وأنهما يتخرجان على القول في الشاهدين إذا اتفقا على ما يوجبه الحكم واختلفا فيما شهدا به، والمشهور أن شهادتهما لا تجوز، انتهى مختصرا، ونقله في التوضيح .
( قلت ) : إذا علم هذا، فكان ينبغي للمصنف أن يقتصر على قول يحيى بن عمر لترجيح ابن رشد وابن زرقون له، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا حكم المخالف في الصوم بشهادة واحد كالشافعي، فهل يلزم ذلك جميع الناس ولا يجوز لأحد مخالفته ؛ لأنه حكم وافق محل الاجتهاد، وقاله ابن راشد القفصي؟ أو لا يلزم المالكي الصوم في هذا ؛ لأن ذلك فتوى وليس بحكم، وقاله القرافي في الفرق الرابع والعشرين والمائتين؟
وقال سند : لو حكم الإمام بالصوم بشهادة واحد لم يسع العامة مخالفته ؛ لأن حكمه صادف محل الاجتهاد، فوجب أن لا يخالف. وفيه نظر يرجع إلى تحقيق الحكم ، فإن الحاكم إنما حصل منه إثبات الشهادة فقط من غير زائد، وإذا قال الحاكم: شهد عندي فلان وحده، وقد أجزت شهادته وحكمت بالصوم- تنزل ذلك منزلة فتوى لا حكم، انتهى باختصار. قال في التوضيح : ولم يقل ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا بل تردد فيه، انتهى.
( قلت ) : وكلام سند يقتضي أنه متردد في ذلك أيضا، انتهى.
( تنبيه ) : وانظر إذا قلنا: يلزم المالكي الصوم كما قال ابن راشد، فصام وأكملوا [ ص: 392 ] ثلاثين ، ولم ير الهلال، فحكم الحاكم الشافعي بالفطر على الراجح عندهم، فهل يجوز للمالكي أن يفطر معهم ولو لم ير أحد الهلال؟ أو يخالفهم في الفطر ويصبح صائما؟
والذي يظهر أنه لا يجوز له الفطر. وقد قال مالك في المدونة : ويقال - لمن قال: يصام بشهادة واحد -: أرأيت إن أغمي آخر الشهر كيف يصنعون أيفطرون أم يصومون واحدا وثلاثين؟ فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان، انتهى.
وقد وقعت هذه المسألة، وصمنا بحكم المخالف، فلما كانت ليلة أحد وثلاثين لم ير الناس الهلال بعد الغروب، فلم يلتفت الشافعية إلى ذلك وكبروا وصار العامة يسألون عن الفطر مع عدم رؤية الهلال، فأقول لهم: قال الشافعية: يجوز الفطر. وعند المالكية لا يجوز الإفطار. فيقولون: نحن لا نعمل إلا على مذهب المالكية، ثم لطف الله سبحانه فرؤي الهلال حين حصل ابتداء الظلام.


