الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( لا بمنجم ) ش: يعني أن الهلال لا يثبت بقول المنجم   : إنه يرى، بل ولا يجوز لأحد أن يصوم بقوله، بل ولا يجوز له هو أن يعتمد على ذلك، كما سيأتي عن المقدمات، وسواء في ذلك العارف به وغيره، وقد أنكر ابن العربي في العارضة عن ابن سريج الشافعي في تفريقه بين من يعرف ذلك ومن لا يعرفه.

                                                                                                                            قال في التوضيح : وروى ابن نافع، عن مالك في الإمام الذي يعتمد على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع، انتهى.

                                                                                                                            تنبيهات:

                                                                                                                            الأول: ظاهر كلام أصحابنا أن المراد بالمنجم بالحساب الذي يحسب قوس الهلال ونوره، ورأيت في كلام بعض الشافعية أن المنجم الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني، والحاسب الذي يحسب سير الشمس والقمر، وإذا لم يعمل بقول الحاسب فمن باب أحرى أن لا يعمل بقول المنجم.

                                                                                                                            الثاني: قال ابن الحاجب : ولا يلتفت إلى حساب المنجمين اتفاقا، وإن ركن إليه بعض البغداديين. قال في التوضيح : قوله : وإن ركن إليه بعض البغداديين، يشير به إلى ما روي عن ابن سريج وغيره من الشافعية، وهو مذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين ابن بزيزة، وهي رواية شاذة في المذهب، رواها بعض البغداديين عن مالك، انتهى.

                                                                                                                            وقال ابن عرفة : وحساب المنجمين ؛ لقول ابن بشير : ركون بعض البغداديين له باطل. قال ابن عرفة : قلت: لا أعرفه لمالكي، بل قال ابن العربي : كنت أنكر على الباجي نقله عن بعض [ ص: 388 ] الشافعية لتصريح أئمتهم بلغوه، حتى رأيته لابن سريج ، وقاله بعض التابعين، انتهى.

                                                                                                                            وقد رد ابن العربي في عارضته على ابن سريج ، وبالغ في ذلك وأطال، وظاهر كلام المصنف في التوضيح : أن ابن الشخير يقول: يعتمد على حساب المنجمين، وليس كذلك. إنما يقول له: إنه يعمل على ذلك هو في خاصته، كما سيأتي بيانه في كلام المقدمات . وقال القرافي في الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلاة: يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، وقاعدة رؤية الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب، وفيه قولان عندنا وعند الشافعية، والمشهور في المذهب عدم اعتبار الحساب، قال سند : إن كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي، فإن الله سبحانه أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة على نظام واحد طول الدهر، وكذلك الفصول الأربعة، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك، بل طفلا للعادة. وإلا فالعقل يجوز ولادته كذلك. فالقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة، وإذا حصل القطع بالحساب فينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات. والفرق هاهنا وهو عمدة الخلف والسلف أن الله تبارك وتعالى نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر، وكذلك بقية الأوقات، فمن علم شيئا بأي طريق لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد القطع، وأما الأهلة فلم ينصب خروجها من شعاع الشمس سببا للصوم، بل نصب رؤية الهلال خارجا عن شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي ولا يثبت الحكم ، ويدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته " ولم يقل: لخروجه عن شعاع الشمس، قال في الصلاة: أقم الصلاة لدلوك الشمس أي ميلها، انتهى أكثره بلفظه، وفيه إثبات القول بالاعتماد على حساب المنجمين، كما نقله صاحب التوضيح وغيره، وما فرق به بين أوقات الصلاة ورؤية الأهلة حسن، وقد قبله ابن الشاط وله في الذخيرة نحو ذلك.

                                                                                                                            الثالث: لو شهد عدلان برؤية الهلال، وقال أهل الحساب: إنه لا يمكن رؤيته قطعا   - فالذي يظهر من كلام أصحابنا: أنه لا يلتفت لقول أهل الحساب. وقال السبكي وغيره من الشافعية: إنه لا تقبل الشهادة ؛ لأن الحساب أمر قطعي والشهادة ظنية، والظن لا يعارض القطع . ونازع في ذلك بعض الشافعية، والله أعلم.

                                                                                                                            الرابع: ذكر ابن ناجي في شرح المدونة : أن ابن هارون اعترض على ابن الحاجب في حكاية الاتفاق بأن مطرفا يخالف في ذلك، ورد عليه بأن مطرفا المذكور ليس هو مطرفا المالكي، وإنما هو من كبار التابعين، انتهى.

                                                                                                                            الخامس: يكره الاشتغال بما يؤدي إلى معرفة ناقص الشهور وكاملها. قال ابن رشد في كتاب الجامع من المقدمات - بعد أن ذكر أن الاشتغال بالنجوم فيما يعرف به سمت القبلة وأجزاء الليل جائز بل مستحب -: وأما النظر في أمرها فيما زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور من كمالها دون رؤية أهلتها فذلك مكروه ؛ لأنه من الاشتغال بما لا يعني، إذ لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على ذلك، فيستغني عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء، وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال، هل له أن يعمل على معرفته بذلك أم لا؟ فقال مطرف بن الشخير : إنه يعمل في خاصته على ذلك، وقاله الشافعي أيضا في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك، وكذلك ما يعلم به الكسوفات لأنه لا يعني. وقال صلى الله عليه وسلم : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ؛ ولأنه يوهم العوام أنه يعلم الغيب ويزجر عن ذلك ويؤدب عليه، انتهى باختصار.

                                                                                                                            ( قلت ) : ولا يحرم الاشتغال ؛ به لأنه ليس من علم الغيب وإنما هو من [ ص: 389 ] طريق الحساب، والله أعلم.

                                                                                                                            السادس: قال ابن رشد في المقدمات إثر كلامه السابق: اختلف أهل العلم في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فاقدروا له " فذهب مالك إلى أن قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الثاني: " فأكملوا العدد " مفسر له، وذهب الطحاوي إلى أنه ناسخ له، وإلى أن معنى التقدير كان قبل النسخ: بأن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر في الليلة الثانية، فإن سقط لمنزلة واحدة - وهي ستة أسباع ساعة - علم أنه من تلك الليلة، وإن غاب لمنزلتين علم أنه من الليلة الماضية فقضوا اليوم، وهذا قول خطأ ؛ إذ لا يسقط القمر في أول كل ليلة من جميع الشهر - كان الشهر كاملا أو ناقصا - لستة أسباع ساعة، هذا يعلم يقينا بمشاهدة بعض الأهلة أرفع وأبطأ مغيبا من بعض، وأيضا فإنه خلاف ظاهر الحديث، ومقتضاه في أن التقدير إنما أمر به ابتداء قبل الفوات ليصوم أو ليفطر، لا في الانتهاء بعد الفوات ليقضي أو لا يقضي، والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث " إذا غم الهلال " : أن ينظر إلى ما قبل هذا الذي غم الهلال عند آخره من الشهور، فإن كان توالى منها شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص، فأصبح الناس صياما، وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل، فأصبح الناس مفطرين ؛ إذ لا تتمادى أربعة أشهر ناقصة ولا كاملة على ما علم بما أجرى الله به العادة، ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر.

                                                                                                                            وإن لم يتوال قبل هذا الشهر الذي غم الهلال في آخره شهران فأكثر كاملة ولا ناقصة احتمل أن يكون هذا الشهر ناقصا أو كاملا احتمالا واحدا يوجب أن يكمل ثلاثين يوما، كما في الحديث الآخر، فيكون - على هذا - الحديثان جميعا مستعملين كل واحد منهما في موضع غير موضع صاحبه، وهذا في الصوم.

                                                                                                                            وأما في الفطر إذا غم هلال شوال  فلا يفطر بالتقدير الذي يغلب فيه على الظن أن رمضان ناقص، انتهى.

                                                                                                                            وتفسير مالك هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه، وقد قال ابن رشد في المقدمات في كتاب الصيام: والصواب ما ذهب إليه مالك من تفسير حديث ابن عمر بحديث ابن عباس ؛ لأن التقدير يكون بمعنى التمام، قال الله تعالى : قد جعل الله لكل شيء قدرا أي تماما، انتهى والله تعالى أعلم.

                                                                                                                            السابع: قال ابن عرفة : ابن حبيب يجوز تقليد المؤذن العدل العارف، فإن أكل في أذان سأله إن كان كذلك، وإلا قضى.

                                                                                                                            الباجي : من يحضر يؤذن مؤذنه عند الفجر في وجوب كفه بأذانهم، وهو يرى أن الفجر ما طلع، وبعد أذانهم وهو يرى أن الشمس غربت- رواية ابن نافع ونصف عن ابن القاسم في المدونة، انتهى.

                                                                                                                            وقال في النوادر : قال ابن حبيب : ويجوز له تصديق المؤذن العدل العارف، فإن سمع الأذان وهو يأكل ولا علم له بالفجر فليكف وليسأل المؤذن عن ذلك الوقت، فيعمل على قوله ، فإن لم يكن عنده عدلا ولا عارفا فليقض، وإن كان في قضاء رمضان فليقض ويباح له فطر ذلك اليوم والتمادي، وإن كان في تطوع أتمه ولا قضاء عليه، انتهى.

                                                                                                                            وقول ابن حبيب : ولا علم عنده بالفجر- يفهم منه أنه لو كان له علم اعتمد عليه، فهو موافق لرواية عيسى عن ابن القاسم، وهو الظاهر إذا أمن من الاطلاع عليه والاقتداء به، والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية