الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِشُكْرِهِ ، وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ ) . المجموع " الشَّرْحُ " : بَدَأَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ ، مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَقْطَعُ } وَفِي رِوَايَةٍ ( { بِحَمْدِ اللَّهِ } ) وَفِي رِوَايَةٍ ( { بِالْحَمْدُ فَهُوَ أَقْطَعُ } ) وَفِي رِوَايَةٍ : { كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ } وَفِي رِوَايَةٍ { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ } . رَوَيْنَا كُلَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيِّ ، وَرَوَيْنَاهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْمَشْهُورُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، هُوَ ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِمَا ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَرُوِيَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا وَرِوَايَةُ الْمَوْصُولِ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ } مَعْنَاهُ لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ ، وَمَعْنَى أَقْطَعُ أَيْ نَاقِصٌ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ ، وَأَجْذَمُ بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ، يُقَالُ : جَذِمَ يَجْذَمُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - : يُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ ، وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ ، وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ ، وَمُزَوِّجٍ وَمُتَزَوِّجٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ ( يَعْنِي بِكَسْرِ الْخَاءِ ) وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ ، وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَرَضُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ لَمْ يَبْدَأْ فِي مُخْتَصَرِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ . ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ بَدَأَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَخَطَبَ خُطْبَةً ، فَأَخَلَّ بِذَلِكَ مَنْ نَقَلَ كِتَابَهُ ، قَالُوا : وَقَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا مِثْلَ الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . الْجَوَابُ الثَّانِي : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْ الْمُزَنِيَّ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي جَلَالَتِهِ . الْجَوَابُ الثَّالِثُ : أَنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ أَنْ يَحْمَدَ . لَا أَنْ يَكْتُبَهُ . وَالظَّاهِرُ : أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَمِدَ بِلِسَانِهِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ ، فَيَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَرْكُهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ . الْجَوَابُ الرَّابِعُ : أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدِ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً لِتَسْمِيَتِهِ حَمْدًا ; لِأَنَّ الْحَمْدَ الثَّنَاءُ وَقَدْ أَثْنَى الْمُزَنِيّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ أَبْلَغِ الثَّنَاءِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا نَقَلْنَاهُ ، وَذَكَرُوا أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مُرْضِيَةٍ فَتَرَكْتُهَا ، وَأَمَّا مَعْنَى " الْحَمْدُ " فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَالشُّكْرُ : الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِأَنْعَامِهِ . فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا ، وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ ، وَنَقِيضُ الشُّكْرِ الْكُفْرُ . وَقَوْلُهُ ( الَّذِي وَفَّقَنَا ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ : التَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ ، وَالْخُذْلَانُ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالْمُوَفَّقُ فِي شَيْءٍ لَا يَعْصِي فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ ; إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالْعِصْمَةُ هِيَ التَّوْفِيقُ فَإِنْ عَمَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا عَامًّا ، وَإِنْ خَصَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا خَاصًّا . قَالُوا : وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَيُقَالُ : شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ ، وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ : شَكَرْتُ بِهِ بِالْبَاءِ وَتَشَكَّرْتُ لَهُ كَشَكَرْتُهُ ، وَالشُّكْرَانُ خِلَافُ الْكُفْرَانِ . وَقَوْلُهُ : ( وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ ) الْمُرَادُ هُنَا بِالْهُدَى : خُلُقُ الْإِيمَانِ وَاللُّطْفِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْهُدَى بِمَعْنَى الْبَيَانِ ، وَمِنْهُ : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ } أَيْ بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمِثْلُهُ { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } أَيْ : بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَأَمَّا الذِّكْرُ فَأَصْلُهُ : التَّنْبِيهُ ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ الْأَدِيبُ الشَّافِعِيُّ : أَصْلُ الذِّكْرِ فِي اللُّغَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى الشَّيْءِ ، وَإِذَا ذَكَرْتَهُ فَقَدْ نَبَّهْتَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ ذَكَّرَكَ شَيْئًا فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نِسْيَانٍ ، قَالَ : وَمَعْنَى الذِّكْرِ حُضُورُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ ، وَيَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ ، وَتَارَةً بِاللِّسَانِ ، وَتَارَةً بِهِمَا ، وَهُوَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ ، وَيَلِيهِ ذِكْرُ الْقَلْبِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية