الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدلة على حشر الإنس والجنّ والبهائم والملائكة يوم القيامة

السؤال

هل بَعْث الله شاملٌ لجميع المخلوقات أم للبشر فقط، وكذلك الحشر، والنشور، والحساب؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد ثبت في كتاب الله تعالى ما يدلّ على أن الله سيحشر كل دابّة يوم يجمع الخلق بين يديه، حيث قال سبحانه: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: 38].

فالبعث، والحشر، والنشور شامل للجنّ والإنس والبهائم، كما جاءت بذلك النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة:

أما الإنس: فالنصوص في بعثهم وحشرهم وحسابهم أكثر من أن تحصر في هذا المقام، فمن ذلك: ما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا، ثم قرأ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي، أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول -كما قال العبد الصالح-: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). رواه البخاري.

وأما الجنّ: فقد خلقهم الله تعالى لنفس الغاية التي خلق لها الإنس، فقال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وإذا كان حالهم كالإنس في استجابتهم لأمر ربهم، منهم المؤمن ومنهم الكافر، فلا بدّ من أن يلقوا مصير الإنس في البعث والجزاء والحساب، قال سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 128]، وللمزيد عن مصير الجن في اليوم الآخر، راجع الفتوى: 18484.

وأما البهائم: فإنها تبعث كذلك، وتحشر كغيرها، ويقام بينها القصاص، ثم تصير ترابًا، وأما الحساب، فإنه لا حساب عليها، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وأما البهائم، فجميعها يحشرها الله سبحانه، كما دلّ عليه الكتاب، والسنة، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: 38]، وقال تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، وقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: 29]، وحرف (إذا) إنما يكون لما يأتي لا محالة، والأحاديث في ذلك مشهورة؛ فإن الله عز وجل يوم القيامة يحشر البهائم ويقتصّ لبعضها من بعض، ثم يقول لها: كوني ترابًا، فتصير ترابًا، فيقول الكافر حينئذ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ: 40]، ومن قال: إنها لا تحيا، فهو مخطئ في ذلك أقبح خطأٍ، بل هو ضالّ، أو كافر، والله أعلم. انتهى.

وأما الملائكة، فراجع في موتهم وبقائهم ومصيرهم يوم القيامة الفتوى: 65352.

وأما حشر الملائكة ودخولهم الجنة -بالإضافة إلى ما تفيده الآيات المذكورة في الفتوى المحال عليها-، فقد قال السيوطي في كتابه: الحبائك في أخبار الملائك:

مسألة: سئل الصفار -من أئمة الحنفية- هل يُحشَر ملك الموت كما ‌تحشر ‌الملائكة؟

قال: نعم
قيل له: ألا يخاف الناس منه؟
قال: لا؛ لأن الله تعالى قال: اُدخُلوها بِسلامٍ آَمِنينَ [الحجر: 46] من الموت، والزوال، و: لَا يَذُوقُونَ فِيها المَوتَ إِلاّ المَوتَةَ الأُولَى [الدخان: 56].

مسألة: سئل الصفار: ‌أتكون ‌الملائكة ‌في ‌الجنة؟

قال: نعم، إنهم موحّدون، وبعضهم يطوفون حول العرش يسبّحون بحمد ربهم، وبعضهم يبلّغون السلام من الله تعالى على المؤمنين، كما قال تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. انتهى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني