الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قطعت علاقتي بالشاب أملاً أن يعوضني الله بالحلال!

السؤال

السلام عليكم

أنا فتاة بعمر 26 سنة، إذا كان الله قدر لنا الأرزاق جميعها قبل أن نخلق جميعاً، وأنه إذا لم يكتب لي نصيباً من الزواج في الدنيا فلماذا أدعوه أن يرزقني بالزوج؟! طالما أن دعائي لن يغير القدر مهما دعوت ومهما فعلت، غير أنه سيحبطني ويشعرني باليأس؟!

هل ممكن أن يكون الله كتب على فتاة أنها لن تتزوج، ومع كثرة دعائها يغير القدر ويكتب لها الزواج؟! هل الدعاء يغير القدر الذي كتبه لنا الله قبل خلقنا؟

منذ فترة تعرفت على شاب، فقال إنه معجب بي ويرغب في خطبتي، علماً أن كل واحد منا يعيش في بلد، ومن الصعب جداً أن نجتمع في بلد واحد، وكنا نتحدث لمدة ثلاثة أشهر، بعدها أخبرته أني لا أريد التحدث إليه، لأني لا أشعر بالارتياح طالما العلاقة ليست بالحلال، وتوقفت عن الحديث معه نهائياً، مع عدم رغبتي بذلك لكن أرغب بعلاقة بالحلال.

لامني بعض صديقاتي، وقلن: طالما تفكرين هكذا فلن تتزوجي على الإطلاق، وأن هذا سعي والله يطلب من الإنسان السعي وراء الرزق، والزواج رزق، ويجب أن أسعى وراءه، ويجب أن أبقى أحادثه وأصبر حتى ييسر الله الخطبة، وتصبح العلاقة بالحلال، وصديقاتي فعلاً تزوجن جميعهن بهذه الطريقة، أحببن شباناً فترة إلى أن تزوجوهن، وأنا أعيش في صراع داخلي، هل أنا على خطأ لأني قطعت العلاقة مع الشاب، لأنها ليست بالحلال؟ فأنا قطعت العلاقة أملاً أن يعوضني الله بعلاقة بالحلال وأتزوج.

هل فعلاً يجب أن أسعى وراء الزواج؟ وكيف يكون سعيي؟ علماً أني أعيش في بلد أجنبي، لا أعلم به أحداً سوى الأجانب! هل سيعوضني الله على صبري؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sema حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك – أختي العزيزة – وشكراً لكِ تواصلك مع الموقع، وحرصك على معالجة إشكالاتك العلمية والاجتماعية وفق الشرع الحنيف، وأسأله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح والحياة السعيدة.

لا شك أن الزواج مطلب شرعي، وهو يعين على غض البصر وإحصان الفرج وإعفاف النفس، وتحصيل السكن النفسي والمودة والرحمة، وتأسيس وبناء الأسرة المسلمة، والمجتمع الصالح والحياة السعيدة، إلا أن الطريق إلى الغايات المشروعة لا يكون بالوسائل الممنوعة، ويمكن تحصيل ذلك شرعاً بالاستعانة بأهل الثقة والأمانة من الأصحاب والأقارب ولا عيب أو حرج في ذلك، بل ثبت عن عمر رضي الله عنه عرضه ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، حتى تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا شك أن التواصل بين الشباب والفتيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها لا ينبغي التوسع فيه؛ منعاً من الوقوع في المخالفات الشرعية كتبادل عبارات الغزل والتبرج ونحوها؛ ويتأكد المنع إذا غلب على الظن صعوبة أو استحالة الزواج بينهما، كتباعد بلدانهما كما هو حالكما، بدليل نهيه سبحانه وتعالى عن كل الوسائل المؤدية إلى الحرام، كما في قوله سبحانه: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، ولذلك يحرم النظر إلى الأجنبية بشهوة، والخلوة بها وخضوعها بالقول، ومصافحتها، كما دلّت على ذلك نصوص الكتاب والسنّة.

قد أحسنتِ – حفظك الله ووفقكِ – في انقطاعك عن التواصل مع الشاب الأجنبي، مراعاةً لما سبق، ومنعاً من العبث والإثارة والفتنة، لاسيما مع صعوبة الزواج، وغلبة الظن على عدم إمكانيته، وإني لأرجو أن تكون مراعاتك لتقوى الله سبيلاً إلى تحصيل الخير والهدى والبركة والتوفيق إلى الزوج الصالح ولو بعد حين؛ لقوله تعالى: (ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً).

أوصيك – أختي الفاضلة – بالصبر على البلاء، فالابتلاء سنّة كونية إلهية، والصبر عليه من موجبات تكفير السيئات ورفع الدرجات، كما وأوصيك بحسن الظن بربك، واستحضار الثواب والأجر وعظيم فضله، والشكر على نعمائه، وأن تعززي الثقة بنفسك وتتحلي بالطموح والإرادة والأمل، واحذري وساوس الشيطان باليأس والإحباط والقنوط من رحمة الله، ولاسيما أنكِ ما زلتِ في ريع الشباب (26)عاماً، وفي الحديث: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

لا يخفى عليك أنه كثيراً ما يكون في التأخير المصلحة والخير، (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (لا تحسبوه شراً لكم بل هو خيرٌ لكم)، ولا يخفاكِ أن كثيراً من الزيجات المبكرة غير المدروسة انتهت بالفشل والمتاعب النفسية، والحياة البائسة والتعيسة، في مقابل انتهاء الكثير من الزيجات المتأنية والمدروسة إلى الخير ولو تأخرت.

الدعاء – أختي الفاضلة وفقكِ الله – كنز عظيم وسلاح متين، ورابطة بين العبد وربّه، فلا ينبغي للعبد أن يستسلم للأقدار ويدع دعاء الرحيم الغفار الله جل جلاله على كل شيء قدير، وهو القائل (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

لذلك ينبغي الحرص على الدعاء قبل نزول البلاء وبعده، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو في أوقات الشدّة، ويسأل الله تعالى أن يرفع البلاء كأدعية الرقية وأذكار الصباح والمساء، وقد قال تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، وقال سبحانه: (وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، وقال عز وجل: (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) وقد ورد في الصحيح قوله: (اعملوا فكل ميسّر لما خلق له) وقرأ قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)، وقد قال تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، ومن أحسن ما قيل في معنى الآية: أن لله تعالى كتابين، فالكتاب المكنون وهو اللوح المحفوظ لا يدخله الزيادة والنقصان، وهو المراد بقوله سبحانه (ويثبت)، أي أنه مبرم، وأما الكتاب الذي بيد الملائكة الكرام فيدخله التغيير، فهو معلّق بحسب الأسباب، ومن الأسباب صلة الرحم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ – أي يؤخّر – له في أثره – أي عمره – فليصل رحمه)، ومن الأسباب أيضاً الدعاء كما سبق، والدعاء من قدر الله تعالى، كما أن الزواج والعنوسة والرزق والفقر من قدر الله أيضاً، وقد قال تعالى: (إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر).

أما بخصوص الحكمة من مشروعية الدعاء مع ثبوت تقدير الله للأشياء قبل خلقها، وهل يرد الدعاء القدر والقضاء؟ فجوابه فيما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الترمذي وأحمد وغيرهما، وحسّنه الحافظ ابن حجر. فالله تعالى يقضي الشيء ثم يجعل له موانع فيكون قاضياً بالشيء كالمرض مثلاً، وقاضياً بأن هذا الشخص يدعو بالسلامة والعافية، فيرد الدعاءُ القضاءَ، والذي يرد القضاء هو الله عز وجل، كما ثبت عند الحاكم في مستدركه وحسّنه الألباني في صحيح الجامع، عن عائشة قال صلى الله عليه وسلم: (والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان – أي يتصارعان – إلى يوم القيامة)، وعليه فالعبد لا يدري ما كتب له.

لا بد من العلم أن الدعاء كغيره من الأمور لا يتحقق إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، فمن موانع إجابة الدعاء: أكل الحرام، والاستعجال، وعدم حضور القلب، كما أن صور إجابة الدعاء متنوعة فهي إما أن يعطي الله السائل مسألته، وإما أن يصرف عنه من السوء مثله، وإما أن يعوضه ويدّخر له في الآخرة كما في الحديث الذي رواه أحمد وصححه الألباني: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا : إذن نكثر، قال: الله أكثر).

أوصيك بالتوكل على الله تعالى بما يشمله من أمرين اثنين: تفويض الأمور وإسنادها قلبياً إلى الله تعالى بالتعلّق به سبحانه، وبذل الأسباب المؤدية إلى تحصيل الأمور ومنها الزواج، فمن أخل بالأول ففيه خلل في الاعتقاد والتوحيد، ومن أخل بالثاني – بذل الأسباب – ففيه خلل في العقل والتفكير.

كما أوصيك باللجوء إلى الله تعالى بالدعاء؛ لما سبق من فضل الدعاء ومكانته ومنزلته عند الله تعالى، كذا المحافظة على الأذكار وقراءة القرآن والحرص على تقوى الله ولزوم الصحبة الطيبة، والتقرّب إلى الله بالعبادات والطاعات لتحصيل رضاه وبركته وتوفيقه.

أسأل الله لكِ التوفيق والسداد والعون والهدى والخير والبركة والرشاد، وأن يفرّج همك وييسر أمرك ويشرح صدرك، وأن يثبتنا وإياك على الدين ويهدينا الصراط المستقيم، ويرزقنا الصبر وعظيم الثواب والأجر؛ إنه سميعٌ عليم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً