الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سنوات من نتف الشعر والعبث بالجلد بسبب التوتر وهوس الكمالية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ عشر سنوات، أعاني من نتف الشعر، بدءًا بشعر الرأس، مع ظهور بقع يقل فيها الشعر عن غيرها، ثم انتقلت إلى شعر الجسد، ومنذ أربع سنوات ركزت على شعر العانة والمنطقة الواقعة بين العانة والفخذ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المشكلة الأكبر من النتف هي محاولة «حفر» الجلد حول الشعر العالق تحت الجلد، فالمنطقة بين الفخذين والمنطقة الحساسة مليئة بالبقع والحبوب والشعر النامي تحت الجلد.

موقع السلوك: غالبًا في الحمام.
المحفزات: يزيد التوتر من حدة الحالة، كما أن الانقطاع عن هذا السلوك لأيام يجعلني أعود إليه باعتباره مكافأة، إضافة إلى هوس الكمالية.

وإلى جانب المنطقة الحساسة، أركز أيضًا على الحبوب والجروح في فروة رأسي، وقد قلَّ نتفي لشعر رأسي كثيرًا، ولا أعلم السبب، فقد يكون ذلك بسبب انشغالي بالسلوك في صور وأماكن أخرى.

موقع السلوك: غالبًا في أي مكان، لكنه يزداد وقت الدراسة.
المحفزات: هي نفسها المذكورة سابقًا.

لديَّ سلوكيات قهرية وإدمانية أخرى، لكن هذه هي الأبرز حاليًا، وعمري يوجب عليَّ أن أعتني قليلًا بجسمي، استعدادًا لاحتمال الزواج في المستقبل.

محاولاتي للإقلاع عن هذه السلوكيات:
- تحديد وقت للذهاب إلى الحمام، وهذا لا يزال قيد التجربة.
- ارتداء قطعة على الرأس، لكنها زادت الحبوب.
- الانشغال بسلوك معاكس، وهو العناية بالجسم، رغم استمراري في إيذائه، باستخدام المقشرات والمرطبات.

أمَّا ما لم أجربه ولن أجربه، فهو الأدوية النفسية، لأسباب تخص عائلتي، منها الأسباب المادية، ولأنهم يعيرونني بالأمراض ولا يقدمون لي الدعم.

ولا يمكنني الذهاب إلى عيادة من دون علمهم، أو تناول الأدوية من ورائهم؛ لأنني لا أملك المال الكافي، حتى لو كان ذلك عن طريق التأمين الصحي للجامعة، ولذلك فإن خيار العلاج الدوائي مستبعد.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ هاجر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بكِ في إسلام ويب، وأسأل الله لكِ العافية والشفاء.

رسالتك واضحة جدًّا، وما تعانين منه سلوك قهري مزعج، يتمثل في نتف الشعر وحفر الجلد قابل للعلاج -بإذن الله تعالى- من خلال منظومة علاجية تتضمن العلاج السلوكي والاجتماعي، وقد تتضمن العلاج الدوائي أيضًا.

وهذا النوع من السلوك قد يسبب أذىً للجلد، وجروحًا وآثارًا وندوبًا؛ ولذلك من المهم أن تتعاملي معه بجدية، وأن تسعي إلى علاجه، مع عدم لوم نفسكِ أو اليأس من التحسن.

ومن المهم أن تتعلمي ملاحظة المواقف التي تسبق السلوك، كالتوتر أو الملل أو الجلوس في الحمام مدة طويلة، وأن تضعي بديلًا واضحًا لكل موقف، مع تجنب الفراغ الزمني والذهني، وممارسة تمارين الاسترخاء، والمحافظة على نمط حياة إيجابي.

ويمكنكِ الاستفادة من التطبيقات السلوكية الآتية:

- التجاهل: عندما تشعرين بالرغبة في نتف الشعر، أو حفر الجلد، حاولي ألَّا تستجيبي لها مباشرة، وألَّا تنشغلي بمراقبتها أو تحليلها، بل دعيها تمر دون تنفيذ السلوك، مع تذكير نفسكِ بأن وجود الرغبة لا يعني ضرورة الاستجابة لها.

- صرف الانتباه: بمجرد ملاحظة بداية السلوك، انتقلي إلى نشاط آخر يشغل يديكِ وذهنكِ، مثل الكتابة أو الرسم أو الإمساك بشيء آمن، خاصة أثناء الدراسة، أمَّا في الحمام، فحددي وقتًا مناسبًا لقضاء حاجتكِ والاستحمام، وتجنبي الوقوف طويلًا أمام المرآة أو تفحص الجلد بحثًا عن الشعر النامي تحت الجلد.

- التقليل من أهمية الرغبة: حاولي ألَّا تتعاملي مع وجود شعرة تحت الجلد أو حبة صغيرة باعتبارها مشكلة تستوجب التدخل الفوري، وذكِّري نفسكِ بأن الجلد لا يحتاج إلى أن يكون خاليًا تمامًا من العيوب، وأن محاولة الوصول إلى الكمال قد تزيد السلوك بدلًا من أن تحل المشكلة.

- التنفير من السلوك المؤذي: المقصود هنا تنمية الوعي بالعواقب غير المرغوبة للنتف والحفر، مثل الجروح والالتهابات والندوب، وتذكير نفسكِ بها عند ظهور الرغبة، دون استخدام العقاب أو إيذاء النفس أو تعمد إثارة الاشمئزاز من الجسم.

ومن المهم أيضًا أن تضعي خطة عملية للتعامل مع هذا السلوك، فبما أنه يزداد عند دخول الحمام، فحاولي تحديد وقت قصير لقضاء حاجتكِ والاستحمام، وتجنبي الوقوف طويلًا أمام المرآة وتفحص الشعر والجلد، وأبعدي عنكِ الأدوات التي تستخدمينها في النتف والحفر.

وأثناء الدراسة، ضعي يديكِ في وضع يشغلهما، مثل الإمساك بقلم أو كرة صغيرة، وعندما تشعرين بالرغبة في النتف أو الحفر، حاولي تأجيل الاستجابة واستخدام سلوك بديل آمن حتى تخف الرغبة.

ولا تحاولي استخراج الشعر النامي تحت الجلد بالحفر أو الضغط، وتجنبي المقشرات على المناطق المجروحة أو المتهيجة، واكتفي بالعناية اللطيفة بها، واطلبي تقييمًا طبيًّا إذا ظهر ألم متزايد أو احمرار شديد أو قيح.

وإذا عدتِ إلى السلوك بعد أيام من التوقف، حاولي معرفة السبب الذي أدى إلى ذلك، وعدِّلي خطتكِ بناءً عليه، فالتدرج والاستمرار أهم من اشتراط التوقف الكامل من المحاولة الأولى.

ومع استمرار نتف الشعر وحفر الجلد وما نتج عنهما من جروح وحبوب، فإن العلاج السلوكي المتخصص، ولا سيما تدريب عكس العادة، يُعد خيارًا مهمًّا، ويمكن أن يساعدكِ على تعلُّم التعرف على الرغبة في النتف أو الحفر مبكرًا، واستبدال السلوك باستجابة آمنة، ويفضَّل تطبيقه بمساعدة مختص نفسي إن أمكن، حتى إذا تعذر العلاج الدوائي حاليًا.

وأمَّا العلاج الدوائي، فهو أحد الخيارات التي يمكن مناقشتها مع الطبيب، خاصة إذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة، ولا ينبغي أن تحرمي نفسكِ من طلب المساعدة بسبب الظروف الأسرية أو المادية، بل يمكنكِ الاستفسار عن خدمات الإرشاد النفسي أو العيادات المتاحة من خلال الجامعة أو التأمين الجامعي، إن كانت متوفرة.

وطبعًا عقار «فلوكسيتين» (Fluoxetine)، والذي يسمى تجاريًّا "بروزاك" (Prozac)، من الأدوية التي قد تُستخدم في بعض الحالات، وقد أظهرت بعض الدراسات نتائج إيجابية له، لكن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر، ولا يُعد الخيار الأفضل بالضرورة لجميع حالات نتف الشعر وحفر الجلد.

وطبعًا جرعة بداية هذا الدواء هي (20 ملغ) يوميًّا، وبعد أسبوعين تكون (40 ملغ)، ثم بعد أسبوعين (60 ملغ)، وينتظر الإنسان لمدة شهرين على هذه الجرعة، فإذا حدث تحسُّن ملحوظ يظل عليها لمدة ستة أشهر على الأقل، أما إذا لم يتحسن عليها فلا بد أن يأخذ الجرعة الكاملة، وهي (80 ملغ) يوميًّا، ثم يتدرج بعد ذلك ليصل إلى الجرعة الوقائية.

وقد يُستخدم الـ "فلوفوكسامين" (Fluvoxamine) أيضًا في بعض الاضطرابات القهرية، كما قد يضيف الطبيب أدوية أخرى، مثل الـ "أريبيبرازول" (Aripiprazole) أو الـ "ريسبيريدون" (Risperidone)، في حالات محددة تستدعي ذلك، وهذه خيارات يقررها الطبيب بعد تقييم الحالة، وليست أدوية ينبغي تناولها دون إشرافه.

فأرجو أن تتحدثي مع والدتكِ أو والدكِ، أو مع شخص تثقين به من أسرتكِ، وتوضحي له طبيعة المشكلة والأذى الذي تسببه لكِ، فقد يساعدكِ ذلك على الحصول على الدعم الذي تحتاجينه، ولا تنسي أن طلب العلاج والأخذ بالأسباب لا يتعارضان مع التوكل على الله تعالى، فقد قال رسول الله ﷺ: «مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا جَعَلَ لَهُ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ».

بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً