الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإعراض الكامل عن الوساوس هو الحل الناجع للتخلص منها..

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا محمد، عمري 25 عامًا، أعاني مؤخرًا من وساوس الخوف من الوقوع في الكفر، ومن الجيد أن يكون المؤمن خائفًا من الكفر، لكن الأمر أصبح أنني أخاف من كل شيء تقريبًا في حياتي، وأخشى أن يكون سببًا في وقوعِي في الكفر.

أستيقظ من النوم لأستغفر، وأعيش في حالة من الخوف الشديد، فمثلًا: إذا قلت شيئًا، تأتي الوساوس في اللحظة نفسها بأنني قلت شيئًا فيه كفر، فأستعيذ بالله من الوقوع في ذلك، وحتى وأنا أكتب رسالتي هذه أشعر بالخوف من أن أقول شيئًا خطأ.

دائمًا أراجع نفسي، وأنا أعلم أن أفضل شيء تجاه هذه الأفكار هو تجاهلها، والحمد لله أنني مؤخرًا أصبحتُ لا أخاف من الأفكار نفسها، لكن تأتي أفكار أخرى تقول لي: أنت لم تعد خائفًا، وهذا يعني أنك وقعت في الكفر، وهذا الأمر يرعبني!

الحمد لله أنني أصبحتُ أستطيع تجاهل هذه الأفكار، فمن الممكن أن تأتيني في اليوم اثنتا عشرة فكرة، وأتجاهل معظمها، لكنني دائمًا أخاف من عدم الاستغفار، وأخاف من عدم مناقشة الفكرة، وليس خوفي من الفكرة نفسها، بل أخاف من عدم الخوف منها، ولذلك أسترسل معها قليلًا، ثم تذهب، وتأتي فكرة أخرى، وهكذا طوال اليوم.

ولاحظت أيضًا أنه عندما أتجاوز فكرة تأتي فكرة أخرى أقوى منها، فمثلًا: في يوم كنت ألعب لعبة فيديو، وقلت: "بسم الله المعين" لكي أسجل هدفًا، فجاءتني وساوس بأنني وقعت في الكفر، أعوذ بالله؛ لأني قلت: "بسم الله المعين" في أمر غير مفيد.

لدي سؤال: هل يمكن الوقوع في الكفر دون قصد، رغم كراهية الكفر؟ فقد أصبح قلبي مؤخرًا لا يتألم من هذه الأفكار؛ لأنني أعلم أنها ليست حقيقية، وأحاول تجاهلها، لكن تأتي فكرة بعدها تقول: إن سكوتك وعدم تفاعلك معها رضا بها، مع أن نيتي هي عدم الاسترسال معها، ثم بعد ذلك أشعر بألم في قلبي.

وكيف أتوب إلى الله إذا وقعت في شيء دون قصد؟ وهل نطقي بلساني بأنني غير موافق، وأن نيتي هي التجاهل وعدم الاسترسال، كافٍ؟

أعتذر عن الإطالة، لكن هذا الأمر صعب جدًّا، وأخاف أن ينشرح صدري لهذه الأفكار، وأتمنى أن أموت ولا تأتي هذه الأفكار أبدًا، وأخيرًا أسألكم الدعاء بأن أموت وأنا مسلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -ولدنا الحبيبَ محمد- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكَ تواصلكَ بالموقعِ وثقتك فيه، وبدايةً نسأل الله سبحانه بأسمائه وصفاته أن يصرف عنكَ شر هذه الوساوسِ، وينجيكَ منها.

وقد أحسنتَ -أيها الحبيبُ- حين قررتَ تجاهل هذه الوساوسِ، وعدم التفاعل معها، وهذا هو دواؤها القالع لها، بإذن الله تعالى، فنوصيكَ بأن تستمر في السير في هذا الطريقِ، وأن تتجاهل جميع هذه الوساوسِ، فتجاهلكَ للبعضِ وتفاعلكَ مع البعض الآخرِ، هو في الحقيقةِ تكريسٌ لوجود هذه الوسوسةِ، وتثبيتٌ لها، فإذا أردتَ أن تريح نفسكَ منها، فعليكَ أن تكون حازمًا في تجاهلها، فلا تلتفت إلى أي شيءٍ من أفكارها، ولا تبالِ بها.

واعلم أن ما يأتيكَ من الخوفِ، من كونكَ إذا تجاهلتها إنما هو رضا بها، وأن سكوتكَ إقرارٌ لها، هذا الخوف مصدره الشيطانُ، فهو حريصٌ على أن يوقعكَ في أنواع المشقة والحرجِ، وأن يجعلَكَ تحيا في مزيدٍ من الخوفِ، والقلقِ، والاضطرابِ.

فدواؤكَ الصحيحُ -أيها الحبيبُ- الإقلاعُ الكامل عنها، مع أخذكَ بالأسباب الماديةِ، من طلب الدواء لدى الأطباء الماهرينَ، فإنهم سيصفون لكَ من الأدويةِ، والتمريناتِ، ما يعينكَ على الإقلاع عنها، ويُصحِّح مزاج جسدكَ، ويمده بما قد يكون نقصهُ من موادَ.

فاحرص على الأخذ بالأسبابِ، واستعن بالله سبحانه وتعالى، ولا تعجزْ، فقد كانت وصية النبي ﷺ للمؤمنينَ عمومًا، هي قوله ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ».

فالمطلوب منكَ هو التجاهل الكامل لهذه الوساوسِ، والإعراض الكامل عنها، فقد قال الرسول ﷺ لمن أصيب بشيءٍ من الوساوسِ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ». فإذا ثبتَّ على هذا الطريقِ، وصبرتَ عليهِ، فإنكَ ستجد نفسكَ قد نجوتَ، بإذن الله تعالى، من شر هذه الوسوسةِ.

وممَّا يسهل عليكَ هذا التجاهلَ، أن تدرك تمام الإدراكِ، وتوقن كامل اليقينِ، أن الله تعالى يحب منكَ أن تتجاهل هذه الوساوسِ، وأن اشتغالكَ بشيءٍ يسيرٍ منها، هو في الحقيقةِ سيرٌ في الطريق الذي يحبه الشيطان، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.

واعلم -أيها الحبيب- أن هذه الأفكار يمكن أن تصيب أي أحدٍ من المؤمنينَ، فقد أصابت من هو خيرٌ منكَ وأفضلُ، وهم بعض صحابة رسول الله ﷺ، فقد كان الواحد منهم يجيء إلى النبي ﷺ، يشكو إليه أشياء يجدها في صدرهِ، يكره التحدث بها، ويُفضل أن يحرق حتى يصير فحمًا على أن يتكلم بها، فقال النبي ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»؛ أي: إن كراهة القلب لها وخوفه منها، دليلٌ على وجود الإيمان في هذا القلبِ.

فهذه بشرى من النبي ﷺ لكَ ولأمثالكَ، بأن هذه الوساوس لا تؤثر على دينكَ، ولا على إيمانكَ، ولكن الشيطان يحاول أن يقلقكَ، ويزعجكَ بها.

فالسبيل الصحيح إذًا هو -أيها الحبيبُ- أن تعرض عن كامل هذه الأفكارِ، وليس عن بعضها.

وكل ما ذكرتهُ في استشارتكَ من أمثلةٍ وجزئياتٍ، هو مندرجٌ في هذه الوساوسِ، فكونكَ ذكرتَ الله تعالى عندما أردتَ أن تبدأ بلعبةٍ من الألعابِ، هذا ليس كفرًا، ولا معصيةً؛ لأن تسمية الله تعالى على الشيء المباحِ أمرٌ مطلوبٌ، وليس جرمًا، ولا ذنبًا، ولكن ما يأتيكَ إنما هو أثرٌ من آثار هذه الوسوسةِ، فأقلع عن ذلك تمامًا، واستعن بالله سبحانه وتعالى، وأكثر من ذكرهِ؛ فإن ذكر الله تعالى حصنٌ يتحصن به الإنسان من الشيطانِ، وافزع والجأ إلى الاستعاذة بالله كلما دهمتكَ كهذه الأفكارِ، فإذا صبرتَ على هذا الطريقِ، ستجد نفسكَ قد خلصتَ من شرها، بإذن الله.

نسأل الله تعالى لنا ولكَ السلامة من كل سوءٍ ومكروهٍ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً