الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعبت من التفكير في حبي لابن عمي وخوفي ألا يكون من نصيبي، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من فضلكم عندي سؤال، وأتمنى أن تردوا عليّ؛ لأن هذه المشكلة تؤثر على مستقبلي.

أنا أحب ابن عمي منذ صغري، وهو أكبر مني بخمس سنوات، وعمري الآن 17 عاماً، ويشهد الله أن حبي له منذ صغري بلا سبب واضح، ولقد أتم تعليمه الآن، وبدأ يبحث عن زوجة؛ وبالفعل تقدم لواحدة في عيد الفطر، ولكن لم يحدث نصيب بينهما.

عندما عرفت بالخبر وقتها ضاق صدري من كثرة الحزن، فصليت قيام الليل، وحالياً أنا أدعو الله أن يكون زوجي بالحلال، وهذا يؤثر على تفكيري في الدراسة، وأنا خائفة ألا يُستجاب دعائي.

وكلما نويتُ أن أترك أمري لله، أخاف ألاّ يكون من نصيبي، مع أن المداومة على الدعاء تتعبني؛ لأنها مصحوبة بخوف دائم من ألاّ يكون من نصيبي، وهذا يؤثر على تفكيري ودراستي حاليًا، خصوصاً أنني في مرحلة دراسية مصيرية -الشهادة-.

لقد تعبت من التفكير الذي يرسُم لي دائماً مواقف مستقبلية وهو متزوج من شخص آخر. أنا مداومة على الدعاء بأن يكون زوجاً لي منذ سنين، ثم انقطعت ورجعت مرة أخرى كلما سمعت أنه سيُتزوج.

أريد نصيحة: كيف أتعامل مع هذا الوضع؟ فبسبب التفكير به أصبحت أعيش في ضيق وخوف مستمر من ألّا يكون من نصيبي؛ لأنه في أي وقت قد يخطب.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سيرا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، ويطمئن قلبكِ، ويرزقكِ الزوج الصالح الذي تقرّ به عينكِ، ويكتب لكِ الخير حيث كان.

أختي الكريمة: أنتِ في السابعة عشرة من عمركِ، ومن الطبيعي أن تتكون لديكِ مشاعر إعجاب وتعلّق، خاصة تجاه شخص تعرفينه منذ الصغر، لكن استمرار الحب لسنوات لا يعني بالضرورة أن هذا الشخص هو نصيبكِ، كما أن عدم زواجكِ منه لا يعني أنكِ خسرتِ سعادتكِ، أو أن دعاءكِ لم يُستجب.

- الميل القلبي الذي يأتي دون اختيار ليس ذنبًا بمجرده، لكن المهم ألا يتحول إلى تعلق يستولي على التفكير، ويعطل الحياة؛ فابن عمكِ إنسان تتمنين الزواج منه، لكنه ليس زوجكِ الآن، ولا تعلمين ما الذي سيكتبه الله تعالى لكما، ومن حقكِ أن تتمني الزواج منه، ولكن ليس من مصلحتكِ أن تعيشي كل يوم وكأن سعادتكِ كلها معلقة بقراره، وتذكري أن محبة الله تعالى ينبغي أن تكون أعظم من كل محبة، وأن القلب إذا امتلأ بالخوف من فقد شخص حتى عجز عن الدراسة والعيش بهدوء، فإنه يحتاج إلى إعادة التوازن، لا إلى مزيد من الانشغال بهذا الشخص.

- غيّري طريقة دعائكِ: لا يلزمكِ أن تتوقفي عن الدعاء به، لكن اجعلي دعاءكِ أوسع وأهدأ، فقولي: "اللهم إن كان ابن عمي خيرًا لي في ديني ودنياي ومستقبلي؛ فاقدره لي زوجًا صالحًا، ويسّر زواجنا بالحلال، وإن لم يكن خيرًا لي؛ فاصرفه عني واصرف قلبي عنه، وارزقني الرضا بما تختاره لي"، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]، ولا تظني أن الدعاء لا يُستجاب إلا إذا تزوجتِه؛ فالله تعالى يسمع دعاءكِ، لكن الاستجابة ليست وعدًا بتحقيق كل أمنية بعينها، قال النبي ﷺ: يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي" متفق عليه.

- والآن: كيف تتعاملين مع الخوف والتفكير المتكرر؟ عندما تتخيلين أنه سيتزوج فتاة أخرى، ذكّري نفسكِ بأن هذا مجرد احتمال في ذهنكِ، وليس حدثًا وقع الآن، وأنكِ لا تحتاجين إلى حلّ كل احتمالات المستقبل اليوم، ثم توقفي عن تتبع أخباره وسؤال الآخرين عن خططه للزواج؛ لأن متابعة الأخبار ستجدد القلق كل مرة، وخصصي وقتًا للدعاء والعبادة، ثم انتقلي إلى دراستكِ دون الاستمرار في اختبار مشاعركِ أو تكرار الدعاء بدافع الخوف، لا تسترسلي مع الفكرة؛ أنت لا تعلمين الغيب، لذا اتركي المستقبل لله تعالى هم أعلم بما يصلحك وينفع لك، واهتمي بما تستطيعين فعله اليوم.

- إن كان هناك مجال واقعي للزواج، فليكن الطريق واضحًا ومحترمًا: يمكنكِ أن تتحدثي مع والدتكِ أو امرأة حكيمة من أسرتكِ تثقين بها، وتخبريها برغبتكِ في الزواج منه مستقبلًا، دون ضغط عليه، أو الدخول في علاقة عاطفية سرية، ولكن لا تجعلي حياتكِ كلها انتظارًا له؛ فإن تقدم رسميًا، يُنظر في دينه وخلقه ومدى التوافق بينكما، وإن اختار غير ذلك، فاحفظي كرامتكِ، وامضي في حياتكِ.

أختي الكريمة، أنتِ لم تتأخري عن الحياة، ولم يفتكِ شيء في هذا العمر، أمامكِ دراسة، ونضج، وتجارب، وفرص كثيرة، فلا تضيعي حاضركِ في الخوف من مستقبل لم يحدث بعد، لا تعلمين ما الله قاضٍ لكِ فيه، فاسألي الله العافية، وخيري الدنيا والآخرة.

أسأل الله تعالى أن يرزقكِ قلبًا مطمئنًا، وأن يكتب لكِ الزواج الصالح، فإن كان ابن عمكِ خيرًا لكِ أن يجمعكما بالحلال، وإن لم يكن خيرًا أن يصرف قلبكِ عنه بلطف، ويعوضكِ خيرًا منه، ويجعلكِ راضيةً باختياره، سعيدةً بقربه، قويةً في دينكِ ودراستكِ وحياتكِ.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً