الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل تعمد الذنب مع نية الاستغفار والتوبة بعده يجعل الإنسان منافقًا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري 19 سنة، وفي الفترة الأخيرة حصل لي تغير كبير في تفكيري الديني، فقد بدأتُ أراجع حياتي وتصرفاتي القديمة، واكتشفتُ أنني كنتُ أتعامل مع بعض الذنوب باستهانة، وأحيانًا كنتُ أقول لنفسي: سأفعل الذنب، ثم أستغفر وأتوب بعده.

وكنتُ أؤدي العبادات، وأشعر أنني مؤمن، لكنني الآن أصبحتُ أشك في نفسي، وأقول: هل كنتُ صادقًا مع الله، أم كنتُ أخدع نفسي وأوهمها أنني مؤمن؟ وأشعر الآن بندم شديد جدًّا على الماضي، وأحيانًا أقول عن نفسي إنني منافق، وأشعر بالخجل من دعاء الله، وأقول: كيف أطلب رحمته وإصلاح حياتي، وأنا الذي قصرتُ في حقه، وكنتُ أصر على بعض الذنوب وأنا أعلم أن الله يراني؟

وفي الوقت نفسه أقول: الله موجود، وأنا أريد أن أعود إليه، وأصلح نفسي، وأعبده كعبد ذليل له، لكن كلما حاولتُ التوبة والرجوع إليه، أتذكر ذنوبي السابقة، وأشعر بالخجل، ثم تعود إليَّ الأسئلة نفسها: هل أنا منافق؟ وهل توبتي صادقة؟ وهل عباداتي السابقة كانت مجرد تمثيل؟

فأرجو من فضيلتكم توضيح الآتي:
• هل تعمد الذنب مع نية الاستغفار والتوبة بعده يجعل الإنسان منافقًا؟
• وهل شكي الآن في إخلاص بعض عباداتي السابقة يعني أنها كانت باطلةً، أو أنني كنتُ منافقًا؟
• وهل يحق لي أن أدعو الله، وأطلب رحمته وإصلاح حياتي رغم تقصيري السابق، أم أن شعوري بالخجل من الدعاء بسبب ذنوبي له أساس شرعي؟
• وكيف أصرف عني وساوس الشيطان؟ ففي كل مرة أعود فيها إلى الله، أتذكر ذنوبي، وأتذكر أن الله كان يراني وأنا أصر عليها، فأشعر بخجل شديد منه، وأخاف أن يكون غاضبًا مني.
• وكيف أتخلص من هذا الشعور، دون أن أقع في اليأس أو أستمر في جلد نفسي؟

أنا متعب جدًّا، وأريد أن أعود إلى الله بصدق، وأن أتعامل معه كعبد ذليل له، لا أن أهرب منه بسبب ذنوبي، فما الطريق الصحيح شرعًا؟

وشكرًا لحسن استماعكم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع بهذا السؤال، ونهنئك أولًا بفضل الله تعالى عليك الذي حبب إليك الطاعات، وألهمك الرجوع إلى طريقه سبحانه وتعالى، فهذا فضل عظيم من الله، ينبغي أن تجتهد في شكر هذه النعمة، ومن أظهر ومن أبرز مظاهر شكر هذه النعمة: الاستمرار على العمل الصالح، والإكثار من الطاعات؛ كما قال الله عز وجل لنبيه داود: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13].

والرسول ﷺ لما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فلما أخبرته عائشة عن ذلك، وقالت له: تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». فالإكثار من العمل الصالح -أيها الحبيب- من أبرز مظاهر شكر نعمة الله تعالى، الهداية والتوفيق.

أمَّا أسئلتك التي سردتها، فنجيب عنها في النقاط الآتية:

أولًا: بالنسبة لتعمد الذنب مع نية الاستغفار، هذا يقع لكثير من المؤمنين؛ فليس أحد بعد رسول الله ﷺ معصومًا، كل الناس يُخطئون ويُذنبون؛ كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، فليس مجرد وقوع الإنسان في الذنب يعني أنه منافق.

دع عنك هذه الأفكار؛ فنحن نرى من خلال سؤالك أنك على وشك أن تدخل في دائرة الوسوسة، والوسوسة شرٌّ مستطير إذا تسلطت على الإنسان أرهقته وأتعبته؛ فاحذر من أن يجرك الشيطان إلى الدخول في هذه الدائرة. اعلم يقينًا أن كل الناس يُذنبون، والله تعالى خلقنا على هذه الطبيعة؛ وقد قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ».

وليس صوابًا أن تشعر باليأس والقنوط فتترك دعاء الله تعالى وطلب رحمته؛ فهذا اليأس والقنوط هو في حد ذاته ذنب، وقد يكون أكبر من غيره من الذنوب، فالله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، يحب -سبحانه وتعالى- أن تستغفره وأن تطلب توبته وعفوه؛ ولهذا يُكرم -سبحانه وتعالى- التائبين كرمًا لا نهاية له؛ فيُبدِّل سيئاتهم حسنات، ويفرح بتوبتهم؛ لأنه يريد أن يكرمهم، وقد قال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

وأنت لا يزال فيك الكثير من الخير -أيها الحبيب- وإن وقعت في بعض المخالفات أو المعاصي في الزمن الماضي، فاحمد الله تعالى الذي أبقاك حيًا في هذه الحياة لتستدرك وتُصحِّح؛ فهذا في حد ذاته فضل عظيم من الله.

اسأل ربك أن يغفر لك، واطلبه حاجاتك الدنيوية والأخروية، ولا تظن أنك بذنوبك قد ابتعدت عنه بحيث لا يعطيك؛ فهو -سبحانه وتعالى- أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، يحب رجوع عبده إليه، ويحب العبد الذي يسأله ويلح عليه في الدعاء، وجعل الدعاء هو العبادة؛ لأن الدعاء إعلان الفقر لله، والخضوع بين يدي الله، والحاجة إلى الله، ولهذا قال ﷺ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ»، وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ».

الوساوس هذه -أيها الحبيب- التي تعاني منها، علاجها القالع لها -بإذن الله تعالى- هو الإعراض عنها، وعدم التفاعل معها، لا تبدِ لها أي اهتمام، دعها عنك، وانصرف عنها إلى شيء ينفعك في دينك ودنياك، واستعذ بالله كلما داهمتك هذه الأفكار الوسواسية، وداوم على الأذكار خلال اليوم والليلة، واجعل لك نصيبًا من القرآن الكريم، وستجد نفسك -بإذن الله تعالى- قد تخلصت من هذه الأفكار واسترحت من عنائها.

نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً