الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنال حريتي بصورة مسؤولة دون أن أكون عاقًا لوالديّ؟

السؤال

السلام عليكم.

أنا شاب في العقد الثاني من عمري، عشت طفولة تحت وطأة تحكم أسري شديد؛ كنت طفلاً حساساً، وأتعرض أحياناً للعقوبة والإهانة أمام العامة، وشعرت أن مشاعري لا تُؤخذ بعين الاعتبار.

كنت أعاني من فرض سيطرة والديّ على كل ما أفعله، لكني كنت أظن أن هذا أمر طبيعي بحكم طفولتي، وكنت أقول لنفسي دائماً: عندما أكبر ستتغير الأمور، وسأصبح حراً، ومسؤولاً عن حياتي، وكانت الحرية التي أتخيلها حرية مسؤولة، لم أكن أقصد بها ارتكاب المحرمات، أو الانحلال، أو مخالفة الدين، بل كنت أقصد القدرة على الخروج من المنزل، والسفر، وزيارة أصدقائي، وتكوين علاقاتي الاجتماعية، واختيار شؤون حياتي، وتحمل مسؤولية قراراتي ما دمت بالغاً وقادراً على التمييز بين الصواب والخطأ.

لكن عندما كبرت لم يتغير الوضع كما توقعت؛ بدأت أرى أقراني يعيشون حياة مختلفة عن حياتي، يخرجون، ويسافرون، ويكوّنون صداقات، ويخوضون تجارب جديدة، ويبنون شخصياتهم بأنفسهم، أما أنا فظللت أشعر أنني مقيّد، ولا أملك المساحة الطبيعية التي يحتاجها الإنسان في هذا العمر لبناء شخصيته.

على سبيل المثال: يمنعني أهلي من السفر مع أصدقائي في الإجازات، ويحظرون عليّ الدراسة في أماكن بعيدة، دون سبب واضح، بل لمجرد فرض سلطة فقط، كما يفرضون علي قيوداً مبالغاً فيها لا تناسب عمري إطلاقًا عند الخروج مع أصدقائي، وغير ذلك مما لا أحب الخوض في تفاصيله.

أصبحت أشعر أنني متأخر عن غيري، وأن سنوات شبابي تمر دون أن أعيشها بالطريقة التي تمنيت، لذلك، أريد أن أعرف: ما حق الشاب البالغ في الاستقلال عن أسرته؟ وهل من حق الوالدين منع ابن بالغ من الخروج، والسفر، وتكوين علاقاته الاجتماعية، واختيار بعض شؤون حياته؟ ومتى تكون طاعة الوالدين واجبة؟ ومتى يصبح تدخلهم في حياة الابن البالغ أمراً يتجاوز حقهم في التربية والرعاية؟

لا أريد أن أظلم أسرتي، أو أحكم عليهم من طرف واحد، بل أبحث عن رأي شرعي متزن يوضح حقوق الوالدين، وحقوق الابن البالغ في آن واحد.

كيف يمكن لشاب في مثل وضعي أن ينال قدراً طبيعياً من الاستقلال والحرية دون أن يكون عاقاً لوالديه؟

وأخيراً: إذا كان استمرار الوضع الحالي يؤثر بصورة خطيرة في صحتي النفسية، فما التصرف الصحيح الذي ينبغي لي اتخاذه؟

أريد فهم الحدود الشرعية بين بر الوالدين، وبين حق الإنسان البالغ في أن يعيش حياته، ويتحمل مسؤولية نفسه.

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارة إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بدايةً: يظهر من سؤالك أنك تكتب، وقلبك ممتلئ بذكريات مؤلمة من الماضي، وواقع صعب تعيشه في حاضرك، ولذلك فأنت تبحث عن فهم متوازن لطبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء، وحدودها بين بر الوالدين وحق الابن في الاستقلال.

وحتى نساعدك في ذلك هناك أمور مهمة لا بد أن تعيها جيداً؛ لتفهم طبيعة علاقة الآباء بالأبناء صغارًا أو كبارًا.

أولًا: فضل الوالدين والطاعة المقيدة:

من المتفق عليه أن بر الوالدين من أعظم القربات، وأن عقوقهما من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، لكن الطاعة ليست مطلقة في كل شيء، وإنما تكون في المعروف، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فلا تجب طاعة الوالدين فيما فيه معصية، أو ظلم، أو ضرر معتبر، أو مفسدة، ومع ذلك لا يسقط حقهما في البر والإحسان؛ قال تعالى: ﴿ إِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ ﴾.

ثانيًا: الفرق بين مرحلة الطفولة ومرحلة البلوغ:
في الصغر يكون الوالدان مسؤولين عن حماية الابن، ونفقته، وتربيته، وتأديبه؛ لعجزه عن تدبير شؤونه بنفسه، فإذا بلغ، انتقل شرعًا إلى مرحلة جديدة من المسؤولية، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ...)، فالبلوغ يعني أن الإنسان أصبح مؤاخذًا على أقواله وأفعاله، وأن عليه أن يتعلم تحمل مسؤولية قراراته، لكن هذا لا يعني استقلاله التام عن والديه، ولا سقوط حقهما في النصح والتوجيه والرعاية.

والحكمة هنا أن التعامل مع الابن بعد البلوغ يختلف باختلاف نضجه، وقدرته على اتخاذ القرار؛ فهناك شاب بالغ، لكنه شديد الاندفاع، أو قليل الخبرة، فيحتاج إلى توجيه ومتابعة أكثر، وهناك من أثبت مع مرور الوقت أنه متزن، حسن التقدير، قادر على تحمل نتائج قراراته، فيكون تدخل والديه معه أقل، وتزداد مساحة استقلاله.

ثالثًا: كيف تنظر إلى رغبتك في الخروج، والسفر، وتكوين العلاقات؟

الأصل أن الخروج، والسفر المباح، وتكوين الصداقات أمور طبيعية، وليس مجرد بلوغك سببًا في أن تتحول حياتك إلى فوضى، كما أن وجود والدين لا يعني أن يبقى الابن تحت الرقابة نفسها التي كان عليها وهو طفل.

لكن ينبغي أن تنظر إلى اعتراض والديك من جهة السبب، لا من جهة المنع وحده؛ فقد يكون المنع بسبب خوف حقيقي عليك، أو بسبب صحبة غير مناسبة، أو سفر غير آمن، أو حاجة أحد الوالدين إليك، أو خشية عواقب لم تلتفت إليها، وهنا يكون تدخل الوالدين من باب الرعاية والحفظ، لا مجرد الرغبة في السيطرة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته)؛ فمسؤولية الوالدين تقتضي أن ينصحا أبناءهما، ويحذراهم مما يريان فيه ضررًا، وقد يصل الأمر إلى المنع إذا وجد سبب معتبر لذلك.

وفي المقابل، ليس من الصواب أن يصبح كل اختلاف في الرأي سببًا للمنع والتحكم، خصوصًا إذا كان الابن بالغًا، مستقيمًا، قادرًا على تحمل مسؤولية نفسه، وكان الأمر مباحًا، ولا يترتب عليه ضرر أو تفريط في حق واجب.

لذلك أنصحك ألا تنظر إلى المسألة باعتبارها صراعًا بين حريتك وسلطة والديك، بل باعتبارها انتقالًا تدريجيًا من الحماية المباشرة إلى المسؤولية والاستقلال، وكلما أثبتَّ لوالديك أنك متزن في قراراتك، أمين في مواعيدك، حسن في اختيار أصحابك، وقادر على تحمل نتائج أفعالك؛ كان من الطبيعي أن تتسع مساحة استقلالك.

وأخيرًا: لا تجعل ما مررت به في طفولتك يدفعك إلى أحد طرفين إما التمرد الكامل، أو الاستسلام الكامل؛ المقصود شرعًا أن تبقى بارًّا بوالديك، وتحفظ قدرهما، وفي الوقت نفسه تتعلم كيف تكون شخصًا بالغًا مسؤولًا عن حياته؛ فالبر لا يعني إلغاء الشخصية، والاستقلال لا يعني العقوق.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً