الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعيش في ندم وحزن بسبب زواجي من فتاة ضئيلة الجسم!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله.

لديَّ سؤال: منذ عام ونصف تقريباً خطبتُ فتاةً، وكنتُ في بداية الأمر راضياً بها من ناحية الدين والهيئة، ثم بعد مدة من الخطبة تبين لي أنها ضئيلة الجسم جداً، فوقعتُ في حيرة شديدة لمدة ستة أشهر، حتى قدر الله أن أتزوجها منذ سنة.

أنا من حينها وإلى الآن في ندم وحزن؛ وقد زرتُ طبيباً نفسياً فوصف لي دواء "إيفكسور 275" يومياً، ولا زلتُ أتناوله لكني لم أتحسن إلى الآن.

كلما رأيتُ غيرها أو سمعتُ سيرة الزواج هاج عليَّ الندم، كما أن حياتي تأثرت بشدة وغلب عليها الحزن.

أفيدوني، جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك ابننا الفاضل في الموقع، ونشكر لك الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يملأ قلبك حبًّا لهذه الزوجة التي اخترتها دون سائر النساء، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب.

طالما كان الانطباع الأول جميلًا، وكنت راضيًا بها من ناحية الدين والهيئة، وحصل بعد ذلك التغير؛ فإننا ندعوك إلى أن تتعوذ بالله من الشيطان، ثم ندعوك إلى أن تُدرك أنه لا توجد امرأة بلا نقائص، ولا يوجد رجل بلا عيوب، فنحن بشر والنقص يطاردنا، وما أشرت إليه ليس عيبًا، والأمور تتغير بتوفيق من الله تبارك وتعالى، والنبي ﷺ يُوجِّه كل زوج فيقول: (إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ)، فالكمال محال.

لذلك أرجو أن تنظر إلى دينها، وإلى الانطباع الأول الذي انقدح في نفسك، واعلم أن الإنسان إذا أطلق بصره لا يمكن أن يجد ما يشبعه ويغنيه، وهذا من إبداعات الإمام ابن الجوزي الذي قال: "الذي يطلق بصره في النساء لن تكفيه نساء بغداد وإن تزوجهن".

فتوقف عن النظر للأخريات، واكتفِ بالنظر إلى الزوجة التي أحلها الله تبارك وتعالى لك واخترتها من بين سائر النساء، واعلم أن الشيطان لا يريد لنا الاستقرار، ولا يريد السعادة، ولا يريد لنا النجاح في حياتنا، بل لا يريد لنا الحلال؛ ولذلك أرجو أن تحشد ما في هذه الزوجة من إيجابيات كنت راضيًا بها وسعيدًا بها، وإذا وُجد الدِّين فإن الدِّين هو الأساس، لقوله ﷺ: (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّين)، وبعد ذلك وكل عيب فإن الدين يجبره، وما لكسر قناة الدين جبران.

ولا مانع من التواصل مع هذا الطبيب، لكننا ندعوك إلى أن تصحح القناعات، وتجتهد في أن تنظر بهذه النظرة الواقعية، واعلم أن الإنسان حتى لو تزوج بأخرى، فسيجد فيها ميزات ويجد فيها عيوبًا كذلك، فنحن بشر والنقص يطاردنا؛ ولذلك كن راضيًا بما اخترت، وبالفتاة التي ارتحت إليها -كما قلت- من ناحية الدين والهيئة.

ولا عبرة في التغير الذي حدث لاحقًا؛ لأن هذا من الشيطان، كما قال الرجل لابن مسعود: "إني خطبت امرأة وأخشى أن أبغضها"، قال ابن مسعود: "إن الحب من الرحمن، وإن البغض من الشيطان، يريد أن يبغض لكم ما أحل الله لكم"، وهذه قاعدة ينبغي أن تكون واضحة أمامك وأمام كل زوج، فإن الشيطان قد يأتي الإنسان ليصرفه عن زوجته الحلال، وهذا كله من عمل الشيطان؛ ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، ويريد أن يبغض لكم ما أحل الله -تبارك وتعالى- لكم، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الخير.

وحاول دائمًا أن تبتعد عن المقارنات؛ فإن المقارنات مرفوضة منها أو منك، والإنسان إذا بدأ يقارن فإنه يتعب نفسه، فالتزم بشرع الله -تبارك وتعالى- وغض بصرك عن النساء، ولا تستمع إلى من يتحدث عن النساء وتستمع إلى قصصهن، بل اشغل نفسك بطاعة الله تبارك وتعالى.

وتذكر ما في هذه الزوجة التي رضيت بك ورضيت بها من إيجابيات، واعلم أن حسن المعاشرة لها والاهتمام بها مما يقربك إلى الله تبارك وتعالى، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يصرف عنك خواطر السوء، وحاول قراءة الأذكار والرقية الشرعية على نفسك، ولا مانع من الذهاب إلى راقٍ شرعي أيضًا يقيم الرقية الشرعية على قواعد وضوابط هذا الشرع الذي شرفنا الله -تبارك وتعالى- به.

ونريد أن نذكرك أن ما تراه أنت الآن عيباً؛ غيرك من الشباب يبحث عنه، ويعيش في سعادة مع زوجته النحيلة أو النحيفة؛ فمقاييس الجمال تختلف من شخص إلى آخر، فلا تدع للشيطان سبيلاً عليك في إحزانك بسبب هذا الأمر الذي يراه غيرك ميزة، وإن كنت أنت تراه مشكلة؛ فيمكنك عرض زوجتك على الطبيب، فالحمد لله الآن هناك وسائل كثيرة لعلاج النحافة وزيادة الوزن.

ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يسعدك، وأن يبدل حزنك إلى سعادة، واعلم أن السعادة هي نبع النفوس المؤمنة بالله، الراضية بقضائه وقدره، المواظبة على ذكره وشكره وحسن عبادته، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا أعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يؤلف القلوب، وأن يغفر الزلات والذنوب، واجتهد في طاعة الله -تبارك وتعالى-، وكن عونًا لزوجتك على كل ما يرضي الله، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد والسعادة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً