الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 305 ] ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة " اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها : أنها نزلت في كفار مكة ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب ، استهزاء منهم بذلك ، قاله ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : في مشركي العرب ، قاله قتادة .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث : في النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، قاله مقاتل .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي السيئة والحسنة قولان :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدهما : بالعذاب قبل العافية ، قاله ابن عباس ، ومقاتل .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : بالشر قبل الخير ، قاله قتادة .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما " المثلات " فقرأ الجمهور بفتح الميم . وقرأ عثمان ، وأبو رزين ، وأبو مجلز ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والحسن ، وابن أبي عبلة برفع الميم .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم في معناها قولان :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدهما : أنها العقوبات ، قاله ابن عباس . وقال الزجاج : المعنى : قد تقدم [ ص: 306 ] من العذاب ما هو مثله وما فيه نكال ، لو أنهم اتعظوا . وقال ابن الأنباري : المثلة : العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه ، من قولهم : مثل فلان بفلان ، إذا شان خلقه بقطع أنفه أو أذنه ، أو سمل عينيه أو نحو ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : أن المثلات : الأمثال التي ضربها الله عز وجل لهم ، قاله مجاهد ، وأبو عبيدة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " قال ابن عباس : لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا ، وشديد العقاب للمصرين على الشرك . وقال مقاتل : لذو تجاوز عن شركهم في تأخير العذاب ، وإنه لشديد العقاب إذا عذب .

                                                                                                                                                                                                                                      فصل

                                                                                                                                                                                                                                      وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء :48] ، والمحققون على أنها محكمة .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " لولا أنزل عليه آية من ربه " " لولا " بمعنى هلا ، والآية التي طلبوها ، مثل عصا موسى وناقة صالح . ولم يقنعوا بما رأوا ، فقال الله تعالى : " إنما أنت منذر " أي : مخوف عذاب الله ، وليس لك من الآيات شيء .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي قوله : " ولكل قوم هاد " ستة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 307 ] أحدها : أن المراد بالهادي : الله عز وجل ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير، وعكرمة ، ومجاهد ، والضحاك ، والنخعي ، فيكون المعنى : إنما إليك الإنذار ، والله الهادي .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : أن الهادي : الداعي ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث : أن الهادي النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن ، وعطاء ، وقتادة ، وابن زيد ، فالمعنى : ولكل قوم نبي ينذرهم .

                                                                                                                                                                                                                                      والرابع : أن الهادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا ، قاله عكرمة ، وأبو الضحى ، والمعنى : أنت منذر ، وأنت هاد .

                                                                                                                                                                                                                                      والخامس : أن الهادي : العمل ، قاله أبو العالية .

                                                                                                                                                                                                                                      والسادس : أن الهادي : القائد إلى الخير أو إلى الشر ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره ، فقال : " أنا المنذر " ، وأومأ بيده إلى منكب علي ، فقال : " أنت الهادي يا علي بك يهتدى من بعدي " . قال المصنف : " وهذا من موضوعات الرافضة .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 308 ] ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته ، ردا على منكري البعث ، فقال : " الله يعلم ما تحمل كل أنثى " أي : من علقة أو مضغة ، أو زائد أو ناقص ، أو ذكر أو أنثى ، أو واحد أو اثنين أو أكثر ، " وما تغيض الأرحام " أي : وما تنقص ، " وما تزداد " وفيه أربعة أقوال :

                                                                                                                                                                                                                                      أحدها : ما تغيض : بالوضع لأقل من تسعة أشهر ، وما تزداد : بالوضع لأكثر من تسعة أشهر ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، ومقاتل ، وابن قتيبة ، والزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                      والثاني : وما تغيض : بالسقط الناقص ، وما تزداد : بالولد التام ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وعن الحسن كالقولين .

                                                                                                                                                                                                                                      والثالث : وما تغيض : بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد ، وما تزداد : إذا أمسكت الدم فيعظم الولد ، قاله مجاهد .

                                                                                                                                                                                                                                      والرابع : ما تغيض الأرحام : من ولدته من قبل ، وما تزداد : من تلده من بعد ، روي عن قتادة ، والسدي .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " وكل شيء عنده بمقدار " أي : بقدر . قال أبو عبيدة : هو مفعال من القدر . قال ابن عباس : علم كل شيء فقدره تقديرا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : " عالم الغيب والشهادة " قد شرحنا ذلك في (الأنعام :6) . و " الكبير " بمعنى : العظيم ، ومعناه : يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو ، فهو أكبر من كل كبير ، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى عظمته . ويقال : " الكبير " الذي كبر عن مشابهة المخلوقين .

                                                                                                                                                                                                                                      فأما " المتعال " فقرأ ابن كثير " المتعالي " بياء في الوصل والوقف ، وكذلك [ ص: 309 ] روى عبد الوارث عن أبي عمرو ، وأثبتها في الوقف دون الوصل ابن شنبوذ عن قنبل ، والباقون بغير ياء في الحالين . والمتعالي هو المتنزه عن صفات المخلوقين ، قال الخطابي : وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه . وروي عن الحسن أنه قال : المتعالي عما يقول المشركون .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية