الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              5235 5555 - حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الليث، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود فذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ضح أنت به". [انظر: 3300 - مسلم: 1965 - فتح: 10 \ 9]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون.

                                                                                                                                                                                                                              ثم ساق حديث أنس - رضي الله عنه -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث عبد الوهاب عن أيوب، عن أبي قلابة، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو بن ناتل الجرمي جرم بن ربان أخي تغلب وسلخ ويزيد أولاد حلوان. تابعه وهيب عن أيوب، وقال إسماعيل وحاتم بن وردان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 618 ] ثم ساق حديث أبي الخير واسمه مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود فذكره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ضح به أنت".

                                                                                                                                                                                                                              حديث عقبة سلف قريبا، وحديث أنس الثاني مطابق لما ترجم عليه.

                                                                                                                                                                                                                              وأبو أمامة بن سهل ادعى ابن التين أنه من كبار التابعين وولد في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس له حديث.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: سماه رسول الله وبرك عليه وكناه واسمه أسعد وهو أحد الستة من الصحابة من يكنى بأبي أمامة.

                                                                                                                                                                                                                              قوله: (تابعه وهيب عن أيوب) هذه المتابعة أخرجها الإسماعيلي عن الحسن بن سليمان، ثنا الزعفراني، ثنا عفان، ثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث حاتم قال أبو بكر: أنا الساجي والمنيعي، قال: ثنا صالح بن هاشم بن وردان، ثنا أبي، ثنا أيوب، به. وحديث إسماعيل رواه أبو بكر أيضا عن محمد بن أبي علي، ثنا الحسن الحلواني، ثنا عفان، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب به.

                                                                                                                                                                                                                              وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضحى بكبشين أحدهما عنه وعن أهل بيته والثاني عن أمته ، وروي عنه من طرق متواترة أنه ضحى بكبشين كما قاله ابن بطال .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 619 ] وروى ابن وهب عن حيوة، عن أبي صخر عن ابن قسيط عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد ثم ذبحه وقال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمته" ثم ضحى به ، ذكره ابن المنذر.

                                                                                                                                                                                                                              وذكر ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم ويعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن عبد الله، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بكبشه فذبحه وقال: "بسم الله والله أكبر اللهم عني وعن من لم يضح من أمتي" .

                                                                                                                                                                                                                              وذكر الطحاوي حديث عائشة - رضي الله عنها - وحديث جابر، وذكر مثله من حديث أبي سعيد الخدري .

                                                                                                                                                                                                                              وهذه الآثار مبينة لمعنى حديث أنس ومفسرة له، واختلافها يدل على أن الأمر في ذلك واسع فمن أراد أن يضحي عن نفسه باثنين وثلاثة فهو أزيد في أجره إذا أراد بذلك وجه الله وإطعام المساكين، وذهب مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 620 ] إلى أنه يجوز للرجل أن يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، وروي مثله عن أبي هريرة وابن عمر واحتج أحمد بذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمته.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن المنذر: وكره ذلك الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.

                                                                                                                                                                                                                              قال الطحاوي: لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين، وقالوا: إن ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذبح عنه وعن أمته منسوخ أو مخصوص، ومما يدل على ذلك أنه لو كان الكبش يجزئ عن غير واحد لا وقت ولا عدد في ذلك كانت البدنة والبقرة أحرى أن تكونا كذلك، ولما رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت في البدن والبقر فنحر في الحديبية كل واحد عن سبعة دل أنه لا يجزئ في البقرة والبدنة عن أكثر ممن ذبحت عنه يومئذ وذلك سبعة، فالشاة أحرى بذلك .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن المنذر: والقول الأول أولى للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن بطال : والنسخ لا يكون بالدعوى إلا بالنقل الثابت، واستعمال السنن أولى من إسقاط بعضها ولا سلف للكوفيين في أقوالهم بالنسخ في ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              سلف حديث عقبة كما نبهنا عليه، والعتود: الجذع من المعز.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن بطال : وهو ابن خمسة أشهر ، ونقل ابن التين عن أهل اللغة: إنه الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول فهو عتود وأعتد وعتدان وعدان على الأصل.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 621 ] وعبارة الداودي: إنه الجذع، والحديث خاص لعقبة لا يجوز لغيره إلا أبا بردة بن دينار الذي رخص له الشارع مثله دون غيرهما كما سلف.

                                                                                                                                                                                                                              وجزم ابن التين بأنه منسوخ بحديث أبي بردة وقال: أو يكون سن العتود فوق الجذع خلافا لما سلف عن الداودي.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              الأملح: الأغبر وهو الذي فيه سواد وبياض وعبارة "العين" الملحة والملح بياض يشوبه شيء من سواد، وكبش أملح وعنب ملاحي لضرب منه في حبه طول .

                                                                                                                                                                                                                              وعبارة "الصحاح" وابن فارس: الأملح: الأبيض يخالط بياضه سواد، وقد أملح الكبش إملاحا صار أملح . وعبارة ابن الأعرابي: أنه النقي البياض. وقال أبو عبيد عن الكسائي وأبى زيد أنه الذي فيه بياض وسواد ويكون البياض أكثر.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              وقول (سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة)، قال ابن عباس في قوله تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب [الحج: 32] قال في الاستسمان والاستعظام والاستحسان، ونقل ابن التين عن ابن القرطبي أنه كان يكره أن تسمن الأضحية لئلا يتشبه باليهود، وفيه بعد لا جرم.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 622 ] قال الداودي: وقول أبي أمامة أحسن.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              ذهب أبو حنيفة إلى جواز التضحية بما حملت به البقرة الإنسية من الثور الوحشي وبما حملت العنز من الوعل. وقال أبو ثور: يجوز إذا كان منسوبا إلى الأنعام.

                                                                                                                                                                                                                              وفي كتاب الصيد للطحاوي عن أبي حنيفة قيل له: أتضحي ببقرة من الوحش أو ظبي أو حمار؟ قال: لا يجزئ شيء من هذا في أضحية ولا في غيرها، قيل: فإن كان الحمار الوحشي قد ألف؟ قال: لا، وكذا قال أبو يوسف ومحمد، وكذا قاله الثوري، وقال مالك: الظبي ليس من الأنعام، وأجاز الحسن بن حي التضحية ببقرة وحشية عن سبعة، وبالظبي أو الغزال عن واحد.

                                                                                                                                                                                                                              ولما ذكر ابن حزم حديث: "مثل المهجر كالمهدي بدنه" ، إلى آخره قال: فيه جواز هدي دجاجة وعصفور وتقريبهما وتقريب بيضة، والأضحية بلا شك، وفيه تفضيل الأكبر فالأكبر جنسا ومنفعة للمساكين .

                                                                                                                                                                                                                              فرع:

                                                                                                                                                                                                                              عند مالك: أن النعجة والتيس والعنز أفضل من الإبل والبقر في الضحية كما أسلفناه عنه، وخالفه أبو حنيفة والشافعي فرأيا الإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية