الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            البحث الثاني : في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) [ النساء : 15 ] وقال تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وقال سعد بن عبادة : " يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ قال : نعم " ثم هاهنا مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين ؟ فيه قولان .

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : يثبت بخلاف فعل الزنا ، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع ، والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الاطلاع عليه .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها ، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية ، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة ، فلو شهدوا مطلقا أنه زنى لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنسانا فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر ، ولو أقر على نفسه بالزنا ، هل يشترط أن يستفسر ؟ فيه وجهان .

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : نعم كالشهود .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : لا يجب كما في القذف .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف ، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز ، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : كل [ ص: 139 ] حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة ، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أنه لا يشترط أن يشهدوا معا في حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم ، فكذا إذا اجتمعوا على بابه . ثم كان يدخل واحد بعد واحد ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأسا ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه ، ويحصل مقصوده من القذف .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : ما روي " أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد - وكان رابعهم - رأيت إستا تنبو ونفسا يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر " فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا ، وهل يجب حد القذف على الشهود ؟ فيه قولان .

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود ، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا ، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : وهو الأصح ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله : يجب عليهم الحد ، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : إذا قذف رجل رجلا فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله : يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود . وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : يحدون ، وجه قول أبي حنيفة قوله : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد .

                                                                                                                                                                                                                                            ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم ، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ، وهاهنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية