الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المثال التاسع : تقديم الطعام إلى الضيفان إذا أكمل وضعه بين أيديهم ودخل الوقت الذي جرت العادة بأكلهم فيه فإنه يباح الإقدام عليه تنزيلا [ ص: 131 ] للدلالة العرفية منزلة اللفظية ، ولا يجوز لأحد منهم أن يطعم السنور ولا السائل ما لم يعلم من باذل الطعام الرضا بذلك ، ولا يجوز للأراذل أن يأكلوا مما بين أيدي الأماثل من الأطعمة النفيسة المخصوصة بالأماثل ، إذ لا دلالة على ذلك بلفظ ولا عرف زاجر عن ذلك .

فإن قيل : إذا أكل الضيف فوق شبعه فهل يحرم عليه من جهة أن العرف إنما هو الإذن في مقدار الشبع ؟ قلت : ينبغي أن لا يحرم عليه لكونه على خلاف الإذن إذ لا يتقيد الإذن بالعرف بذلك ، وإنما يحرم عليه لأنه مضيع لما أفسده من الطعام لغير فائدة .

فإن قيل : هل يكون هذا إذنا في معلوم أو مجهول ، لأن ما قد يأكله كل واحد من الضيفان مجهول للآذن ؟ قلنا : لا يشترط في الإباحة أن يكون المباح معلوما للمبيح فلو أباح الأكل من ثمار بستانه ، أو منح شاة أو ناقة أو أعار دابة ولم يقيد مدة الانتفاع ، أو أعطاه نخلة يرتفق بثمارها على الدوام جاز ذلك ، وهذا مستثنى من الرضا بالمجهولات لمسيس الحاجة إليه .

فإن قيل : لو كان أحد الضيفان يأكل أكلة مثل عشرة أنفس ، ورب الطعام يشعر بكثرة أكله ، فهل يجوز له أن يأكل لانتفاء الإذن اللفظي والعرفي فيما جاوز ذلك ، وكذلك لو كان الطعام كثيرا فأكل لقما كبارا مسرعا في مضغها وابتلاعها حتى أكل أكثر الطعام ويحرم أصحابه لم يجز له ذلك لعدم الإذن العرفي واللفظي فيه ، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن القران في التمر من غير إذن .

فإن قيل : فما حكم مسألة القران ؟ قلت لها أحوال :

إحداها أن يكون الطعام كثيرا يفضل عن شبع الجميع فلكل واحد أن يأكل كيف شاء من إفراد أو قران . [ ص: 132 ]

الحال الثانية : أن يكون الطعام قليلا فهذه مسألة النهي في حق الضيفان وأما صاحب الطعام فله الإفراد والقران ، وإن كان قرانه مخالفا للمروءة وأدب المؤاكلة .

الحال الثالثة : أن يكون الطعام قليلا مشتركا بين الآكلين فهذا أيضا في معنى النهي عن قران الضيفان .

التالي السابق


الخدمات العلمية