الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      ومن كرمه

                                                                                      الخلال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدب : كنت آتي أباك فيدفع إلي الثلاثة دراهم وأقل وأكثر ويقعد معي ، فيتحدث ، وربما أعطاني الشيء ، ويقول : أعطيتك نصف ما عندنا . فجئت يوما ، فأطلت القعود أنا وهو . قال : ثم خرج ومعه تحت كسائه أربعة أرغفة . فقال : هذا نصف ما عندنا . فقلت : هي أحب إلي من أربعة آلاف من غيرك .

                                                                                      قال المروذي : رأيت أبا عبد الله ، وجاءه بعض قرابته فأعطاه درهمين . وأتاه رجل فبعث إلى البقال ، فأعطاه نصف درهم .

                                                                                      وعن يحيى بن هلال قال : جئت أحمد فأعطاني أربعة دراهم . [ ص: 219 ]

                                                                                      وقال هارون المستملي : لقيت أحمد بن حنبل ، فقلت : ما عندنا شيء . فأعطاني خمسة دراهم ، وقال : ما عندنا غيرها .

                                                                                      قال المروذي : رأيت أبا عبد الله قد وهب لرجل قميصه ، وقال : ربما واسى من قوته . وكان إذا جاءه أمر يهمه من أمر الدنيا ، لم يفطر وواصل .

                                                                                      وجاءه أبو سعيد الضرير ، وكان قال قصيدة في ابن أبي دواد ، فشكى إلى أبي عبد الله ، فقال : يا أبا سعيد ، ما عندنا إلا هذا الجذع . فجيء بحمال ، قال فبعته بتسعة دراهم ودانقين . وكان أبو عبد الله شديد الحياء ، كريم الأخلاق ، يعجبه السخاء .

                                                                                      قال المروذي : سمعت أبا الفوارس ساكن أبي عبد الله يقول : قال لي أبو عبد الله : يا محمد ، ألقى الصبي المقراض في البئر ، فنزلت فأخرجته . فكتب لي إلى البقال : أعطه نصف درهم . قلت : هذا لا يسوى قيراط . والله لا أخذته . قال : فلما كان بعد ، دعاني ، فقال : كم عليك من الكراء ؟ فقلت : ثلاثة أشهر . قال : أنت في حل . ثم قال أبو بكر الخلال : فاعتبروا يا أولي الألباب والعلم ، هل تجدون أحدا بلغكم عنه هذه الأخلاق ؟ ! ! .

                                                                                      حدثنا علي بن سهل بن المغيرة قال : كنا عند عفان مع أحمد بن حنبل وأصحابهم ، وصنع لهم عفان . حملا وفالوذج ، فجعل أحمد يأكل من كل شيء قدموا إلا الفالوذج . فسألته ، فقال : كان يقال : هو أرفع الطعام فلا يأكله . وفي حكاية أخرى : فأكل لقمة فالوذج .

                                                                                      وعن ابن صبح قال : حضرت أبا عبد الله على طعام ، فجاءوا بأرز ، فقال أبو عبد الله : نعم الطعام ، إن أكل في أول الطعام أشبع ، وإن [ ص: 220 ] أكل في آخره هضم . ونقل عن أبي عبد الله إجابة غير دعوة .

                                                                                      قال حمدان بن علي : لم يكن لباس أحمد بذاك ، إلا أنه قطن نظيف .

                                                                                      وقال الفضل بن زياد : رأيت على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجبة ملونة بينهما ، وربما لبس قميصا وفروا ثقيلا . ورأيته عليه عمامة فوق القلنسوة ، وكساء ثقيلا . فسمعت أبا عمران الوركاني يقول له يوما : يا أبا عبد الله ، هذا اللباس كله ؟ فضحك ، ثم قال : أنا رقيق في البرد ، وربما لبس القلنسوة بغير عمامة .

                                                                                      قال الفضل بن زياد : رأيت على أبي عبد الله في الصيف قميصا وسراويل ورداء ، وكان كثيرا ما يتشح فوق القميص .

                                                                                      الخلال : أخبرنا الميموني : ما رأيت أبا عبد الله عليه طيلسان قط ، ولا رداء ، إنما هو إزار صغير .

                                                                                      وقال أبو داود : كنت أرى أزرار أبي عبد الله محلولة . ورأيت عليه من النعال ومن الخفاف غير زوج ، فما رأيت فيه مخضرا ولا شيئا له قبالان .

                                                                                      وقال أبو داود : رأيت على أبي عبد الله نعلين حمراوين لهما قبال واحد .

                                                                                      الخلال : حدثنا محمد بن الحسين ، أن أبا بكر المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله قال : كان أبو عبد الله لا يجهل ، وإن جهل عليه حلم [ ص: 221 ] واحتمل ، ويقول : يكفي الله . ولم يكن بالحقود ولا العجول ، كثير التواضع ، حسن الخلق ، دائم البشر ، لين الجانب ، ليس بفظ . وكان يحب في الله ، ويبغض في الله ، وإذا كان في أمر من الدين ، اشتد له غضبه . وكان يحتمل الأذى من الجيران .

                                                                                      قال حنبل : صليت بأبي عبد الله العصر ، فصلى معنا رجل يقال له محمد بن سعيد الختلي ، وكان يعرفه بالسنة . فقعد أبو عبد الله بعد الصلاة ، وبقيت أنا وهو والختلي في المسجد ما معنا رابع . فقال لأبي عبد الله : نهيت عن زيد بن خلف أن لا يكلم ؟ قال : كتب إلي أهل الثغر يسألوني عن أمره ، فكتبت إليهم ، فأخبرتهم بمذهبه وما أحدث ، وأمرتهم أن لا يجالسوه ، فاندفع الختلي على أبي عبد الله ، فقال : والله لأردنك إلى محبسك ، ولأدقن أضلاعك . . . في كلام كثير . فقال لي أبو عبد الله : لا تكلمه ولا تجبه .

                                                                                      وأخذ أبو عبد الله نعليه وقام فدخل ، وقال : مر السكان أن لا يكلموه ولا يردوا عليه . فما زال يصيح ، ثم خرج . فلما كان بعد ذلك ، ذهب هذا الختلي إلى شعيب ، وكان قد ولي على قضاء بغداد ، وكانت له في يديه وصية ، فسأله عنها ، ثم قال له شعيب : يا عدو الله ، وثبت على أحمد بالأمس ، ثم جئت تطلب الوصية ، إنما أردت أن تتقرب إلي بذا ، فزبره ، ثم أقامه . فخرج بعد إلى حسبة العسكر .

                                                                                      وسرد الخلال حكايات فيمن أهدى شيئا إلى أحمد ، فأثابه بأكثر من هديته .

                                                                                      قال الخلال : حدثنا إبراهيم بن جعفر بن حاتم : حدثني محمد بن الحسن بن الجنيد ، عن هارون بن سفيان المستملي قال : جئت إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يفرق الدراهم التي جاءته من المتوكل ، فأعطاني [ ص: 222 ] مائتي درهم . فقلت : لا تكفيني . قال : ليس هنا غيرها ، ولكن هو ذا ، أعمل بك شيئا أعطيك ثلاثمائة تفرقها . قال : فلما أخذتها ، قلت : ليس والله أعطي أحدا منها شيئا ، فتبسم .

                                                                                      قال عبد الله : ما رأيت أبي دخل الحمام قط .

                                                                                      الخلال : حدثنا عبد الله بن حنبل : حدثني أبي ، قال : قيل لأبي عبد الله لما ضرب وبرئ ، وكانت يده وجعة مما علق ، وكانت تضرب عليه ، فذكروا له الحمام ، وألحوا عليه ، فقال لأبي : يا أبا يوسف ، كلم صاحب الحمام يخليه لي ، ففعل ثم امتنع ، وقال : ما أريد أن أدخل الحمام .

                                                                                      زهير بن صالح : حدثنا أبي قال : سمعت أبي كثيرا يتلو سورة الكهف ، وكثيرا ما كنت أسمعه ، يقول : اللهم سلم سلم .

                                                                                      وحدثنا عن يونس بن محمد ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : اللهم سلم سلم .

                                                                                      أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، أخبرنا موسى بن عبد القادر ، أخبرنا سعيد بن أحمد ، أخبرنا علي بن أحمد ، أخبرنا المخلص حدثنا أبو القاسم البغوي : سمعت أحمد بن حنبل يقول في سنة ثمان وعشرين ومائتين ، وقد حدث بحديث معونة في البلاء : اللهم رضينا ، اللهم رضينا . [ ص: 223 ]

                                                                                      وقال المروذي : رأيت أبا عبد الله يقوم لورده قريبا من نصف الليل حتى يقارب السحر . ورأيته يركع فيما بين المغرب والعشاء .

                                                                                      وقال عبد الله : ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم ، وكان يكثر الدعاء ويخفيه ، ويصلي بين العشاءين . فإذا صلى عشاء الآخرة ، ركع ركعات صالحة ، ثم يوتر وينام نومة خفيفة ، ثم يقوم فيصلي .

                                                                                      وكانت قراءته لينة ، ربما لم أفهم بعضها . وكان يصوم ويدمن ، ثم يفطر ما شاء الله . ولا يترك صوم الإثنين والخميس وأيام البيض . فلما رجع من العسكر ، أدمن الصوم إلى أن مات .

                                                                                      قال المروذي : سمعت أبا عبد الله يقول : حججت على قدمي حجتين ، وكفاني إلى مكة أربعة عشر درهما .

                                                                                      تركه للجهات جملة عن محمد بن يحيى خادم المزني عنه ، قال : قال الشافعي : لما دخلت على الرشيد قال : اليمن يحتاج إلى حاكم ، فانظر رجلا نوليه . [ ص: 224 ]

                                                                                      فلما رجع الشافعي إلى مجلسه ، ورأى أحمد بن حنبل من أمثلهم ، كلمه في ذلك ، وقال : تهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين . فقال : إنما جئت لأقتبس منك العلم ، وتأمرني أن أدخل في القضاء ، ووبخه . فاستحيا الشافعي .

                                                                                      قلت : إسناده مظلم .

                                                                                      قال ابن الجوزي : قيل : كان هذا في زمان الأمين .

                                                                                      وأخبرنا ابن ناصر ، أخبرنا عبد القادر بن محمد ، أنبأنا البرمكي ، أخبرنا أبو بكر عبد العزيز ، أخبرنا الخلال ، أخبرني محمد بن أبي هارون ، حدثنا الأثرم قال : أخبرت أن الشافعي قال لأبي عبد الله : إن أمير المؤمنين ، يعني : محمدا ، سألني أن ألتمس له قاضيا لليمن ، وأنت تحب الخروج إلى عبد الرزاق ، فقد نلت حاجتك ، وتقضي بالحق ، قال للشافعي : يا أبا عبد الله ، إن سمعت هذا منك ثانية ، لم ترني عندك .

                                                                                      فظننت أنه كان لأبي عبد الله ثلاثين سنة ، أو سبعا وعشرين .

                                                                                      الصندلي : حدثنا أبو جعفر الترمذي ، أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي أن الشافعي كان كثيرا عند محمد بن زبيدة ، يعني : الأمين ، فذكر له محمد يوما اغتمامه برجل يصلح للقضاء صاحب سنة . قال : قد وجدت .

                                                                                      قال : ومن هو ؟ فذكر أحمد بن حنبل . قال : فلقيه أحمد ، فقال : أخمل هذا واعفني ، وإلا خرجت من البلد .

                                                                                      قال صالح بن أحمد : كتب إلي إسحاق بن راهويه : إن الأمير عبد الله بن طاهر وجه إلي ، فدخلت إليه وفي يدي كتاب أبي عبد الله . فقال : ما هذا ؟ قلت : كتاب أحمد بن حنبل ، فأخذه وقرأه ، وقال : إني أحبه ، [ ص: 225 ] وأحب حمزة بن الهيصم البوشنجي; لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان . قال : فأمسك أبي عن مكاتبة إسحاق .

                                                                                      قال إبراهيم بن أبي طالب : سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول : قدمت على أحمد بن حنبل ، فجعل لا يرفع رأسه إلي ، فقلت : يا أبا عبد الله ، إنه يكتب عني بخراسان ، وإن عاملتني هذه المعاملة رموا حديثي ، قال : يا أحمد ، هل بد يوم القيامة من أن يقال : أين عبد الله بن طاهر وأتباعه ؟ فانظر أين تكون منه .

                                                                                      قال عبد الله بن بشر الطالقاني : سمعت محمد بن طارق البغدادي يقول : قلت لأحمد بن حنبل : أستمد من محبرتك ، فنظر إلي ، وقال : لم يبلغ ورعي ورعك هذا ، وتبسم .

                                                                                      قال المروذي : قلت لأبي عبد الله : الرجل يقال في وجهه : أحببت السنة ، قال : هذا فساد لقلبه .

                                                                                      الخلال : أخبرني محمد بن موسى قال : رأيت أبا عبد الله ، وقد قال له خراساني : الحمد لله الذي رأيتك ، قال : اقعد ، أي شيء ذا ؟ من أنا ؟ وعن رجل قال : رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله ، وقد أثنى عليه شخص ، وقيل له : جزاك الله عن الإسلام خيرا . قال : بل جزى الله الإسلام عني خيرا . من أنا وما أنا ؟ !

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية