الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      وبإسنادي إلى أبي إسماعيل الأنصاري : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا نصر بن أبي نصر الطوسي ، سمعت علي بن أحمد بن خشيش ، سمعت أبا الحديد الصوفي بمصر ، عن أبيه ، عن المزني يقول : أحمد بن حنبل يوم المحنة ، أبو بكر يوم الردة ، وعمر يوم السقيفة ، وعثمان يوم الدار ، وعلي يوم صفين .

                                                                                      قال أحمد بن محمد الرشديني : سمعت أحمد بن صالح المصري يقول : ما رأيت بالعراق مثل هذين : أحمد بن حنبل ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، رجلين جامعين لم أر مثلهما بالعراق . وروى أحمد بن سلمة النيسابوري ، عن ابن وارة قال : أحمد بن حنبل ببغداد ، وأحمد بن صالح بمصر ، وأبو جعفر النفيلي بحران ، وابن نمير بالكوفة ، هؤلاء أركان الدين .

                                                                                      وقال علي بن الجنيد الرازي : سمعت أبا جعفر النفيلي يقول : كان أحمد بن حنبل من أعلام الدين .

                                                                                      وعن محمد بن مصعب العابد قال : لسوط ضربه أحمد بن حنبل في الله أكبر من أيام بشر بن الحارث .

                                                                                      قلت : بشر عظيم القدر كأحمد ، ولا ندري وزن الأعمال ، إنما الله يعلم ذلك . [ ص: 202 ]

                                                                                      قال أبو عبد الرحمن النهاوندي : سمعت يعقوب الفسوي يقول : كتبت عن ألف شيخ ، حجتي فيما بيني وبين الله رجلان : أحمد بن حنبل ، وأحمد بن صالح . وبالإسناد إلى الأنصاري شيخ الإسلام : أخبرنا أبو يعقوب ، أخبرنا منصور بن عبد الله الذهلي ، حدثنا محمد بن الحسن بن علي البخاري ، سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي ، وذكر أحمد بن حنبل ، فقال : هو عندي أفضل وأفقه من سفيان الثوري ، وذلك أن سفيان لم يمتحن بمثل ما امتحن به أحمد ، ولا علم سفيان ومن يقدم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بن حنبل ; لأنه كان أجمع لها ، وأبصر بأغاليطهم وصدوقهم وكذوبهم . قال : ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قال : قام أحمد مقام الأنبياء .

                                                                                      وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء ، فكان فيهما معتصما بالله .

                                                                                      قال أبو يحيى الناقد : كنا عند إبراهيم بن عرعرة ، فذكروا يعلى بن عاصم ، فقال رجل : أحمد بن حنبل يضعفه . فقال رجل : وما يضره إذا كان ثقة ؟ فقال ابن عرعرة : والله لو تكلم أحمد في علقمة والأسود لضرهما .

                                                                                      وقال الحنيني : سمعت إسماعيل بن الخليل يقول : لو كان أحمد بن حنبل في بني إسرائيل لكان آية .

                                                                                      وعن علي بن شعيب قال : عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل ، من أن أحدهم كان يوضع المنشار على مفرق رأسه ، ما يصرفه ذلك عن دينه . ولولا أن أحمد قام بهذا الشأن ، لكان عارا علينا أن قوما سبكوا ، فلم يخرج منهم أحد .

                                                                                      قال ابن سلم : سمعت محمد بن نصر المروزي يقول : صرت إلى [ ص: 203 ] دار أحمد بن حنبل مرارا ، وسألته عن مسائل ، فقيل له : أكان أكثر حديثا أم إسحاق ؟ قال : بل أحمد أكثر حديثا وأورع .

                                                                                      أحمد فاق أهل زمانه . قلت : كان أحمد عظيم الشأن ، رأسا في الحديث ، وفي الفقه ، في التأله . أثنى عليه خلق من خصومه ، فما الظن بإخوانه وأقرانه ؟ ! ! وكان مهيبا في ذات الله . حتى لقال أبو عبيد : ما هبت أحدا في مسألة ، ما هبت أحمد بن حنبل .

                                                                                      وقال إبراهيم الحربي : عالم وقته سعيد بن المسيب في زمانه ، وسفيان الثوري في زمانه ، وأحمد بن حنبل في زمانه .

                                                                                      قرأت على إسحاق الأسدي : أخبركم ابن خليل ، أخبرنا اللبان ، عن أبي علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا محمد بن يونس ، حدثني سليمان الشاذكوني قال : يشبه علي ابن المديني بأحمد بن حنبل ؟ أيهات !! ما أشبه السك باللك لقد حضرت من ورعه شيئا بمكة : أنه أرهن سطلا عند فامي فأخذ منه شيئا ليقوته . فجاء ، فأعطاه فكاكه ، فأخرج إليه سطلين ، فقال : انظر أيهما سطلك ؟ فقال : لا أدري أنت في حل منه ، وما أعطيك ، ولم يأخذه . قال الفامي : والله إنه لسطله ، وإنما أردت أن أمتحنه فيه .

                                                                                      وبه إلى أبي نعيم : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا الأبار : سمعت محمد بن يحيى النيسابوري ، حين بلغه وفاة أحمد يقول : ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا عليه النياحة في دورهم . [ ص: 204 ]

                                                                                      قلت : تكلم الذهلي بمقتضى الحزن لا بمقتضى الشرع .

                                                                                      قال أحمد بن القاسم المقرئ : سمعت الحسين الكرابيسي يقول : مثل الذين يذكرون أحمد بن حنبل مثل قوم يجيئون إلى أبي قبيس يريدون أن يهدموه بنعالهم .

                                                                                      الطبراني : حدثنا إدريس بن عبد الكريم المقرئ قال : رأيت علماءنا مثل الهيثم بن خارجة ، ومصعب الزبيري ، ويحيى بن معين ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأخيه ، وعبد الأعلى بن حماد ، وابن أبي الشوارب وعلي ابن المديني ، والقواريري ، وأبي خيثمة ; وأبي معمر ، والوركاني وأحمد بن محمد بن أيوب ، ومحمد بن بكار ، وعمرو الناقد ، ويحيى بن أيوب المقابري ، وسريج بن يونس ، وخلف بن هشام ، وأبي الربيع الزهراني ، فيمن لا أحصيهم ، يعظمون أحمد ويجلونه ويوقرونه ويبجلونه ويقصدونه للسلام عليه .

                                                                                      قال أبو علي بن شاذان : قال لي محمد بن عبد الله الشافعي : لما مات سعيد بن أحمد بن حنبل ، جاء إبراهيم الحربي إلى عبد الله بن أحمد ، فقام إليه عبد الله ، فقال : تقوم إلي قال : والله لو رآك أبي ، لقام إليك ، فقال إبراهيم : والله لو رأى ابن عيينة أباك ، لقام إليه . [ ص: 205 ]

                                                                                      قال محمد بن أيوب العكبري : سمعت إبراهيم الحربي يقول : التابعون كلهم ، وآخرهم أحمد بن حنبل - وهو عندي أجلهم - يقولون : من حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئا ثم فعله ناسيا ، كلهم يلزمونه الطلاق .

                                                                                      وعن الأثرم قال : ناظرت رجلا ، فقال : من قال بهذه المسألة ؟ قلت : من ليس في شرق ولا غرب مثله ، قال : من ؟ قلت : أحمد بن حنبل .

                                                                                      وقد أثنى على أبي عبد الله جماعة من أولياء الله ، وتبركوا به . روى ذلك أبو الفرج بن الجوزي ، وشيخ الإسلام ، ولم يصح سند بعض ذلك .

                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن عميرة ، أخبرنا ابن قدامة ، أخبرنا أبو طالب بن خضير ، أخبرنا أبو طالب اليوسفي ، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي ، أخبرنا علي بن عبد العزيز ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ، حدثنا أبو زرعة ، وقيل له . اختيار أحمد وإسحاق أحب إليك أم قول الشافعي ؟ قال : بل اختيار أحمد فإسحاق . ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه من أحمد بن حنبل ، وما رأيت أحدا أجمع منه .

                                                                                      وبه قال ابن أبي حاتم : حدثنا صالح بن أحمد ، قال دخلت على أبي يوما أيام الواثق - والله يعلم على أي حال نحن - وقد خرج لصلاة العصر ، وكان له لبد يجلس عليه ، قد أتى عليه سنون كثيرة حتى بلي ، وإذا تحته كتاب كاغد فيه : بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق ، وما عليك من الدين ، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان ، وما هي من صدقة ولا زكاة ، وإنما هو شيء ورثته من أبي . فقرأت الكتاب ، ووضعته . [ ص: 206 ]

                                                                                      فلما دخل ، قلت : يا أبة ، ما هذا الكتاب ؟ فاحمر وجهه ، وقال : رفعته منك . ثم قال : تذهب لجوابه ؟ فكتب إلى الرجل : وصل كتابك إلي ، ونحن في عافية . فأما الدين ، فإنه لرجل لا يرهقنا ، وأما عيالنا ، ففي نعمة الله . فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل ، فلما كان بعد حين ، ورد كتاب الرجل مثل ذلك ، فرد عليه بمثل ما رد . فلما مضت سنة أو نحوها ، ذكرناها ، فقال : لو كنا قبلناها ، كانت قد ذهبت .

                                                                                      وشهدت ابن الجروي ، وقد جاء بعد المغرب ، فقال لأبي : أنا رجل مشهور ، وقد أتيتك في هذا الوقت ، وعندي شيء قد اعتددته لك ، وهو ميراث ، فأحب أن تقبله . فلم يزل به . فلما أكثر عليه ، قام ودخل . قال صالح : فأخبرت عن ابن الجروي أنه قال : قلت له : يا أبا عبد الله ، هي ثلاثة آلاف دينار . فقام وتركني .

                                                                                      قال صالح : ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين ، ووجه بقمطر إلى أبي ، فرده ، وولد لي مولود فأهدى صديق لي شيئا . ثم أتى على ذلك أشهر ، وأراد الخروج إلى البصرة ، فقال لي : تكلم أبا عبد الله يكتب لي إلى المشايخ بالبصرة ، فكلمته فقال : لولا أنه أهدى إليك ، كنت أكتب له .

                                                                                      وبه قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان قال : بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز باليمن ، وأكرى نفسه من جمالين عند خروجه ، وعرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة ، فلم يقبلها .

                                                                                      وبعث ابن طاهر حين مات أحمد بأكفان وحنوط ، فأبى صالح أن [ ص: 207 ] يقبله ، وقال : إن أبي قد أعد كفنه وحنوطه ، ورده ، فراجعه ، فقال : إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره ، وهذا مما يكره ، فلست أقبله .

                                                                                      وبه : حدثنا صالح قال : قال أبي : جاءني يحيى بن يحيى - قال أبي : وما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك رجلا يشبه يحيى بن يحيى - فجاءني ابنه ، فقال : إن أبي أوصى بمبطنة له لك ، وقال : يذكرني بها .

                                                                                      فقلت : جئ بها . فجاء برزمة ثياب ، فقلت له : اذهب رحمك الله ، يعني : ولم يقبلها .

                                                                                      قلت : وقيل : إنه أخذ منها ثوبا واحدا .

                                                                                      وبه قال : حدثنا صالح قال : قلت لأبي : إن أحمد الدورقي أعطي ألف دينار . فقال : يا بني ، ورزق ربك خير وأبقى .

                                                                                      وبه : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثني عبيد القاري قال : دخل على أحمد عمه ، فقال : يا ابن أخي ، أيش هذا الغم ؟ وأيش هذا الحزن ؟ فرفع رأسه ، وقال : يا عم ، طوبى لمن أخمل الله ذكره .

                                                                                      وبه : سمعت أبي يقول : كان أحمد إذا رأيته ، تعلم أنه لا يظهر النسك ، رأيت عليه نعلا لا يشبه نعال القراء ، له رأس كبير معقد ، وشراكه مسبل ، ورأيت عليه إزارا وجبة برد مخططة . أي : لم يكن بزي القراء .

                                                                                      وبه : حدثنا صالح : قال لي أبي : جاءني أمس رجل كنت أحب أن تراه ، بينا أنا قاعد ، في نحر الظهيرة ، إذا برجل سلم بالباب ، فكأن قلبي ارتاح ، ففتحت ، فإذا أنا برجل عليه فروة ، وعلى رأسه خرقة ، ما تحت فروه قميص ، ولا معه ركوة ولا جراب ولا عكاز ، قد لوحته الشمس . فقلت : [ ص: 208 ] ادخل ، فدخل الدهليز ، فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من ناحية المشرق أريد الساحل ، ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد ، نويت السلام عليك .

                                                                                      قلت : على هذه الحال ؟ قال : نعم . ما الزهد في الدنيا ؟ قلت : قصر الأمل ، قال : فجعلت أعجب منه ، فقلت في نفسي . ما عندي ذهب ولا فضة . فدخلت البيت ، فأخذت أربعة أرغفة ، فخرجت إليه ، فقال : أويسرك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله ؟ قلت : نعم . فأخذها ، فوضعها تحت حضنه ، وقال : أرجو أن تكفيني إلى الرقة . أستودعك الله . فكان يذكره كثيرا .

                                                                                      وبه : كتب إلي عبد الله بن أحمد ، سمعت أبي ، وذكر الدنيا ، فقال : قليلها يجزئ ، وكثيرها لا يجزئ ، وقال أبي : وقد ذكر عنده الفقر فقال : الفقر مع الخير .

                                                                                      وبه حدثنا صالح قال : أمسك أبي عن مكاتبة ابن راهويه ، لما أدخل كتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه .

                                                                                      وبه قال : ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري ، سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال : ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف بدنا ، ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ، ولا أنقى ثوبا بشدة بياض ، من أحمد بن حنبل رضي الله عنه .

                                                                                      كان ثيابه بين الثوبين ، تسوى ملحفته خمسة عشر درهما ، وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه ، لم يكن له دقة تنكر ، ولا غلظ ينكر ، وكان ملحفته مهذبة .

                                                                                      وبه حدثنا ، صالح قال : ربما رأيت أبي يأخذ الكسر ، ينفض الغبار عنها ، ويصيرها في قصعة ، ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح . وما رأيته اشترى رمانا ولا سفرجلا ولا شيئا من الفاكهة ، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها [ ص: 209 ] بخبز وعنبا وتمرا .

                                                                                      وقال لي : كانت والدتك في الظلام تغزل غزلا دقيقا ، فتبيع الأستار بدرهمين أقل أو أكثر ، فكان ذلك قوتنا ، وكنا إذا اشترينا الشيء ، نستره عنه كيلا يراه ، فيوبخنا ، وكان ربما خبز له ، فيجعل في فخارة عدسا وشحما وتمرات شهريز فيجيء الصبيان ، فيصوت ببعضهم ، فيدفعه إليهم ، فيضحكون ولا يأكلون . وكان يأتدم بالخل كثيرا .

                                                                                      قال : وقال أبي : إذا لم يكن عندي قطعة ، أفرح .

                                                                                      وكان إذا توضأ لا يدع من يستقي له ، وربما اعتللت فيأخذ قدحا فيه ماء ، فيقرأ فيه ، ثم يقول : اشرب منه ، واغسل وجهك ويديك .

                                                                                      وكانت له قلنسوة خاطها بيده ، فيها قطن ، فإذا قام بالليل لبسها .

                                                                                      وكان ربما أخذ القدوم ، وخرج إلى دار السكان ، يعمل الشيء بيده .

                                                                                      واعتل فتعالج .

                                                                                      وكان ربما خرج إلى البقال ، فيشتري الجرزة الحطب والشيء ، فيحمله بيده .

                                                                                      وكان يتنور في البيت . فقال لي في يوم شتوي : أريد أدخل الحمام بعد المغرب ، فقل لصاحب الحمام . ثم بعث إلي : إني قد أضربت عن الدخول . وتنور في البيت .

                                                                                      وكنت أسمعه كثيرا يقول : اللهم سلم سلم .

                                                                                      وبه حدثنا أحمد بن سنان قال : بعث إلى أحمد بن حنبل حيث كان [ ص: 210 ] عندنا أيام يزيد جوز ونبق كثير فقبل ، وقال لي : كل هذا .

                                                                                      قال عبد الله بن أحمد : حدثنا أبي ، وذكر عنده الشافعي - رحمه الله - فقال : ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه . ثم قال عبد الله : كل شيء في كتاب الشافعي حدثنا الثقة فهو عن أبي .

                                                                                      الخلال : حدثنا المروذي قال : قدم رجل من الزهاد ، فأدخلته على أحمد ، وعليه فرو خلق ، وخريقة على رأسه وهو حاف في برد شديد ، فسلم ، وقال : يا أبا عبد الله ، قد جئت من موضع بعيد ، وما أردت إلا السلام عليك ، وأريد عبادان ، وأريد إن أنا رجعت ، أسلم عليك . فقال : إن قدر . فقام الرجل وسلم ، وأبو عبد الله قاعد ، فما رأيت أحدا قام من عند أبي عبد الله ، حتى يقوم هو إلا هذا الرجل . فقال لي أبو عبد الله : ما ترى ما أشبهه بالأبدال ، أو قال : إني لأذكر به الأبدال . وأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفة مشطورة بكامخ وقال : لو كان عندنا شيء ، لواسيناك .

                                                                                      وأخبرنا المروذي : قلت لأبي عبد الله : ما أكثر الداعي لك ! قال : أخاف أن يكون هذا استدراجا بأي شيء هذا ؟ وقلت له : قدم رجل من طرسوس ، فقال : كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل ، رفعوا أصواتهم بالدعاء ، ادعوا لأبي عبد الله ، وكنا نمد المنجنيق ، ونرمي عن أبي عبد الله . ولقد رمي عنه بحجر ، والعلج على الحصن متترس بدرقة فذهب برأسه وبالدرقة . قال : فتغير وجه أبي عبد الله ، وقال : ليته لا يكون استدراجا . قلت : كلا . [ ص: 211 ]

                                                                                      وعن رجل قال : عندنا بخراسان يظنون أن أحمد لا يشبه البشر ، يظنون أنه من الملائكة .

                                                                                      وقال آخر : نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة .

                                                                                      قلت : هذا غلو لا ينبغي; لكن الباعث له حب ولي الله في الله .

                                                                                      قال المروذي : رأيت طبيبا نصرانيا خرج من عند أحمد ومعه راهب ، فقال : إنه سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله .

                                                                                      وأدخلت نصرانيا على أبي عبد الله ، فقال له : إني لأشتهي أن أراك منذ سنين . ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم ، بل للخلق جميعا ، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك . فقلت لأبي عبد الله : إني لأرجو أن يكون يدعى لك في جميع الأمصار . فقال : يا أبا بكر إذا عرف الرجل نفسه ، فما ينفعه كلام الناس .

                                                                                      قال عبد الله بن أحمد : خرج أبي إلى طرسوس ماشيا ، وحج حجتين أو ثلاثا ماشيا ، وكان أصبر الناس على الوحدة ، وبشر لم يكن يصبر على الوحدة . كان يخرج إلى ذا وإلى ذا .

                                                                                      قال عباس الدوري : حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا ، قال : كانت أمي مقعدة من نحو عشرين سنة . فقالت لي يوما : اذهب إلى أحمد بن حنبل ، فسله أن يدعو لي ، فأتيت ، فدققت عليه وهو في دهليزه ، فقال : من هذا ؟ قلت : رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء . فسمعت كلامه كلام رجل مغضب . فقال : نحن أحوج أن تدعو الله لنا ، فوليت منصرفا . فخرجت عجوز ، فقالت : قد تركته يدعو لها . فجئت إلى بيتنا [ ص: 212 ] ودققت الباب ، فخرجت أمي على رجليها تمشي .

                                                                                      هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس .

                                                                                      قال عبد الله بن أحمد : كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة . فلما مرض من تلك الأسواط ، أضعفته ، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة .

                                                                                      وعن أبي إسماعيل الترمذي : قال : جاء رجل بعشرة آلاف من ربح تجارته إلى أحمد فردها . وقيل : إن صيرفيا بذل لأحمد خمسمائة دينار ، فلم يقبل .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية