الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
64 حديث ثان لإسحاق عن أنس مسند

مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر ، فالتمس الناس وضوءا فلم يجدوه ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء في إناء ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الإناء يده ثم أمر الناس يتوضئون منه ، قال أنس : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه ، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم .

[ ص: 218 ]

التالي السابق


[ ص: 218 ] في هذا الحديث تسمية الشيء باسم ما قرب منه ، وذلك أنه سمى الماء وضوءا لأنه يقوم به الوضوء ، ألا ترى إلى قوله فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء في إناء ، والوضوء - بفتح الواو - فعل المتوضئ ، ومصدر فعله ، وبضمها الماء .

وفيه إباحة الوضوء من إناء واحد للجماعة يغترفون منه في حين واحد ، وفيه أنه لا بأس بفضل ، وضوء الرجل المسلم يتوضأ به ، وهذا كله في فضل طهور الرجال إجماع من العلماء ، والحمد لله .

وفيه العلم العظيم من أعلام نبوته صلى الله عليه ، وهو نبع الماء من بين أصابعه ، وكم له من هذه صلوات الله وسلامه ورضوانه عليه .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ قال : حدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن سلمة قال : حدثنا ثابت ، عن أنس قال : حضرت الصلاة ، فقام جيران المسجد يتوضئون ، وبقي ما بين السبعين إلى الثمانين ، وكانت منازلهم بعيدة ، فدعا النبي عليه السلام بمخضب فيه ماء ما هو بملآن ، فوضع أصابعه فيه وجعل يصب عليهم ويقول توضئوا حتى توضئوا كلهم ، وبقي في المخضب مما كان فيه ، وهم نحو من السبعين إلى الثمانين ، ورواه معمر فزاد فيه ذكر التسمية ، حدثنا عبد الرحمن بن مروان قال : حدثنا [ ص: 219 ] الحسن بن علي قال : حدثنا محمد بن زبان قال : حدثنا سلمة بن شبيب قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن ثابت ، وقتادة ، عن أنس قال نظر بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءا فلم يجدوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هاهنا ماء ، قال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال : توضئوا بسم الله ، قال : فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، والقوم يتوضئون حتى توضئوا من آخرهم .

قال ثابت : قلت لأنس : كم تراهم كانوا ؟ قال : نحوا من سبعين ، وقد روى ابن مسعود هذا المعنى بأتم من هذا وأحسن ، حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنا أصحاب محمد نعد الآيات بركة ، وأنتم تعدونها تخويفا ، إنا بينا نحن مع رسول الله - صلى الله عليه - وليس معنا ماء ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اطلبوا من معه فضل ماء ، فأتي بماء ، فصبه في إناء ثم وضع كفه ، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه ثم قال : حي على الطهور المبارك ، والبركة من الله ، قال : فشربنا ، وقال عبد الله : وكنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل .

[ ص: 220 ] وروى جابر في ذلك مثل رواية أنس في أكثر من هذا العدد وفي غير المسجد وذلك مرة أخرى عام الحديبية .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن يحيى قال : أخبرنا محمد بن أيوب الرقي قال : حدثنا أحمد بن عمرو البزار قال : حدثنا عمر بن علي قال : حدثنا محمد بن جعفر وأبو داود قالا : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر بن عبد الله كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : فذكر عطشا فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتور فيه ماء ، فوضع أصابعه فيه ، وجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنها العيون ، فشربنا وسقينا وكفانا ، قال : قلت لجابر كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألف وخمسمائة ، ولو كنا مائة ألف لكفانا .

وقال جرير ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : قلت كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألف وأربعمائة .

قال أبو عمر : الذي أوتى النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الآية المعجزة أوضح في آيات الأنبياء وأعلامهم مما أعطي موسى عليه السلام إذ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وذلك أن من [ ص: 221 ] الحجارة ما يشاهد انفجار الماء منها ، ولم يشاهد قط أحد من الآدميين يخرج من بين أصابعه الماء غير نبينا صلى الله عليه وسلم .

وقد نزع بنحو ما قلت المزني وغيره ، ومن ذلك حديث أنس وغيره في الطعام الذي أكل من القصعة الواحدة ثمانون رجلا وبقيت بهيأتها .

وحدثنا النعمان بن مقرن إذ زودوا من التمر وهم أربعمائة راكب ، قال : ثم نظرت فإذا به كأنه لم يفقد منه شيء ، والأحاديث في أعلام نبوته أكثر من أن تحصى ، وقد جمع قوم كثير كثيرا منها ، والحمد لله .

ومن أحسنها - وكلها حسن - ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا موسى بن معاوية قال : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن يعلى بن مرة الثقفي ، عن أبيه ، قال : خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر حتى أتينا منزلا ، فقال النبي عليه السلام - يأمره - ائت تلك الأشاتين ، فقل لهما إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا ، ففعلت ، فأتت كل واحدة منهما إلى صاحبتها ، قال : فخرج فاستتر بهما ، فقضى حاجته ثم قال : ارجع إليهما فقل لهما يرجعا إلى مكانهما ففعلت ففعلتا .

[ ص: 222 ] وروي عن يعلى من وجوه ، وحدثنا خلف بن القاسم قال : حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال : حدثنا يوسف بن يزيد قال : حدثنا أسد بن موسى قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل قال : حدثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر بن عبد الله قال : سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسير له حتى نزلنا واديا أفيح ، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته ، واتبعته فلم ير شيئا يستتر به ، فنظر ، فإذا في شاطئ الوادي شجرتان ، فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها ، فقال : انقادي علي بإذن الله ، فانقادت معه كالبعير المحسوس الذي يصانع قائده ، ثم أتى الشجرة الأخرى ، فأخذ بغصن من أغصانها فقال : انقادي علي بإذن الله ، فانقادت معه كذلك حتى إذا كان في المنصف مما بينهما لأم بينهما ، فقال : التئما علي بإذن الله ، قال : فالتأمتا ، قالجابر : فخرجت أسرع مخافة أن يحس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقربي ، فتبعدت ، قال : فجلست أحدث نفسي ثم حانت مني لفتة ، فإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلا ، وإذا الشجرتان قد افترقتا ، فقامت كل واحدة منهما على ساق ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه - وقف وقفة فقال برأسه هكذا عن يمينه ، ثم قال برأسه هكذا عن يساره ثم أقبل .

[ ص: 223 ] حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الملك ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأتي البراز حتى يبعد فلا يرى ، فنزلنا بفلاة من الأرض ليس فيها شجر ولا علم ، فقال : يا جابر اجعل في إداوتك ماء ، ثم انطلق بنا ، قال : فانطلقنا حتى لا نرى ، فإذا هو بشجرتين بينهما أربع أدرع ، فقال : يا جابر انطلق إلى هذه الشجرة ، فقل لها يقول لك رسول الله - صلى الله عليه - الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ، قال : ففعلت فرجعت إليها ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه - خلفهما ثم رجعتا إلى مكانهما ، فركبنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله بيننا كأنما على رءوسنا الطير تظلنا ، فعرضت لنا امرأة معها صبي لها ، فقالت : يا رسول الله إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم مرارا ، فوقف لها ثم تناول الصبي ، فجعله بينه وبين مقدم الرحل ، ثم قال : اخسأ عدو الله أنا رسول الله ، اخسأ عدو الله أنا رسول الله ، ثلاثا ، ثم دفعه إليها ، فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان فعرضت لنا امرأة معها صبيها ، ومعها كبشان تسوقهما ، فقالت : يا رسول الله اقبل مني هذين ، فوالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه - : خذوا منها أحدهما ، وردوا عليها الآخر ، ثم سرنا ورسول الله - صلى الله عليه - كأنما على رءوسنا الطير تظلنا ، فإذا جمل ناد [ ص: 224 ] حتى إذا كان بين السماطين خر ساجدا ، فحبس رسول الله - صلى الله عليه - على الناس ، وقال : من صاحب هذا الجمل ؟ فإذا فتية من الأنصار ، قالوا : هو لنا يا رسول الله ، قال : فما شأنه ، فقالوا : استنينا عليه منذ عشرين سنة ، وكانت به شجيمة ، فأردنا أن ننحره ، فنقسمه بين غلماننا ، فانفلت منا ، فقال : أتبيعوننيه ؟ قالوا : لا بل هو لك يا رسول الله ، قال : أما لا ، فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله ، قال المسلمون عند ذلك : نحن أحق يا رسول الله بالسجود لك من البهائم ، قال : لا ينبغي لشيء أن يسجد لشيء ، ولو كان ذلك كان النساء يسجدن لأزواجهن .

وروى ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عتبة بن أبي عتبة ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العمرة ، فقال عمر : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان الرجل ليذهب فيلتمس الماء ، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ، فيشربه ، ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا ، فادع لنا ، قال : نعم ، [ ص: 225 ] فرفع يديه ، فلم يرجعهما حتى قالت السماء ، فأظلت ثم أسكبت ، فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر ، فلم نجدها جازت العسكر .

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرنا منها في باب شريك بن أبي نمر في الاستسقاء ما فيه شفاء ، والحمد لله .




الخدمات العلمية