الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

وثيقة المدينة (المضمون والدلالة)

أحمد قائد الشعيبي

الفصل الأول: البعد السياسي

المبحث الأول: مرجعية الحكم

كان ميلاد الدولة الإسلامية حينما وجد لها موطن، بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية بين الرسول صلى الله عليه وسلم ووفود المدينة، وما تلاهما من الهجرة.. «والواقع أن هـاتين البيعتين كانتا نقطة التحول في حياة الإسلام، ولم تكن الهجرة إلا إحدى النتائج التي ترتبت عنها» [1] . فعندما توجد أمة تؤلف بينها وحدة اللغة والجنس والدين، وتوجد الأرض أو الوطن الذي تقطنه هـذه الأمة، وتوجد سلطة عليا تنظم شئون هـذه الأمة، توجد (الدولة) ، وهذا كله توفر للأمة المسلمة بعد استقرار الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المدينة، واتخاذها وطنا لهم ومقاما دائما، وإنشائه لدولة ينطبق عليها التعريف القانوني للدولة، ولها إمامها ورئيسها الذي يخضع له جميع سكانها [2] ، ويتمثل في شخصه صلى الله عليه وسلم باعتباره حاكما وقائدا لتلك الدولة، يفصل في الخلافات، منعا لقيام اضطرابات في الداخل، وفقا لما نص عليه (دستور) المدينة في البندين رقم (23 و42) ، حيث ينص البند رقم (23) على أن مرجع أي خلاف قد [ ص: 55 ] يحصل بين المؤمنين إنما يكون إلى الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم : «وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ».. ولما كان الله تعالى غير مجسد ولا يحده زمان ولا مكان، ولا تدركه الأبصار ولكن تدركه القلوب التي في الصـدور، فإن الإرادة والحـكم الفعلي في المجتمـع، أي ما نسميه «السلطة»، كانت بيد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أمر الله تعالى المسلمين في عدد غير قليل من الآيات بطاعة الله ورسوله [3] ومن ذلك قوله تعالى: ( وأطيعوا الله والرسول )

في تنفيذ الأحكام، ولهذا نجد أن «الوثيقة» قد جعلت الأمر لله ولرسوله في مسألة فض أي نزاع أو اشتجار قد يقع بين المؤمنين،

وقوله تعالى: ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) (النور:51) .

هذه الآيات وما جرى مجراها تدعم البند رقم (23) من «الوثيقة» الذي يقرر أن النبي عليه السلام هـو المرجع الوحيد في كل خلاف يقع بين المسلمين في المدينة وذلك حينما أوجبت عليهم طاعة الله ورسوله صيانة لوحدتهم من التفرق والانقسام.

ركزت «الوثيقة» في مجـال الحـكم على قضيتـين مهمتين هـما: العدل وتنظيم القضاء، واعتبرتـهما أولوية مطلقة يجب تحققـهما، ولا شك أن هـذا راجـع إلى إدراك الرسـول صلى الله عليه وسلم لأهمـية هـذين الأساسين لكل [ ص: 56 ] مجتمع سليم، وأن غيابـهما كان من أقوى أسباب القلق والاضطراب قبل الإسلام، لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هـو القاضـي الأول في الدولة الإسـلامية، فحـكم بما أنزل الله،

قال تعالى: ( ... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ... ) (النساء:58) ،

- ( ... ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هـو أقرب للتقوى ... ) (المائدة:8) ،

- ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ) (النحل:90) ،

- ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ... ) (الأنعام:152) .

لقد كان من الضروريات الملحة للدولة الإسلامية الفتية في المدينة أن تولي اهتماما بالغا لمسألة القضاء على مثل تلك المآزق والفتن الخطيرة، التي كانت تؤرق أبناء المجتمع، في مرحلته الجاهلية، ضمانا لتوفير الأمن والاطمئنان لهم، ولا يمكن أن يتحقق لها ذلك إلا من خلال سلطة مركزية عادلة يطمئن في الاحتكام إليها أبناء المجتمع بمختلف أجناسهم وألوانهم، وهذا ما تحقق بالفعل حينمـا جعل القرآن الكريـم السـلطة القضائية في الأمور المتعلقة بالأمن وغيره بيد الرسول صلى الله عليه وسلم ،

فقال تعالى: ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) (النساء:59) [4] . [ ص: 57 ] وفي ضوء ما سبق يمكننا القول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين السلطات الثلاث «التشريعية والتنفيذية، والقضـائية»، وكان يحـكم بوحي من الله، وكان يعرف أنه ما من جماعة أو أمة إلا ودب الخصام والنـزاع فيها، وفرق بين نزاع يؤدي إلى خصام لا يلبث أن يزول ليتجدد جو الصفاء والمحبة، ونزاع ينشـأ صغيرا ثم يكبر كلما كبر صاحـبه حتى إذا مـات ورثه الآباء عن الأجداد، والأبناء عن الأباء.. وكان صلى الله عليه وسلم يبادر إلى ائتلاف القلوب وفض النـزاع؛ لأن كلمة منه تكفي ليتنازل صاحب الحق عن حقه أو يعفو عن خطأ غيره [5] .

وقد اعترف اليهود، كمواطنين في الدولة الإسلامية في المدينة، «بوجود سلطة قضائية عليا يرجع إليها سائر سكان المدينة»، بمن فيهم اليهود أنفسهم، إلا أنـهم «لم يلزموا بالرجوع إلى القضاء الإسلامي دائما بل فقط عندما يكون الحدث أو الاشتجار بينهم وبين المسلمين، أما في قضاياهم الخاصة وأحوالهم الشخصية فهم يحتكمون إلى التوراة ويقضى بينهم أحبارهم» [6] .

- اليهود يلجئون في تحاكمهم إلى القضاء الإسلامي

إذا كانت «الوثيقة» قد أنصفت (الآخر) -اليهودي- بعدم التدخل في شئونه الداخلية، وأحواله الشخصية فيما يتعلق بالحكم والقضاء، فإنها في المقابل تركت له حرية الاختيار في الاحتكام إلى أهل ملته أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 58 ] ونتيجة لهذا التخيير تحاكم اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يتظالمون به في الدية، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم الشرف على قتلى بني قريظة ، فإذا قتل قرظي نضريا دفع الدية كاملة، وإذا قتل نضري قرظيا دفع نصف الدية ، وقد خير الله نبيه صلى الله عليه وسلم بين قبول الحكم فيهم أو ردهم إلى أحبارهم،

قال تعالى: ( ... فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) (المائدة:42) ،

فحكم بينهم رسول الله بحملهم على الحق في ذلك، فجعل الدية سواء. [7] ولا شك أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم على أساس الأعراف المنسجمة مع العدالة ومبادئ الإسلام،

طبقا لما نص عليه قوله تعالى : ( ... وأن احكم بينهم بما أنزل الله ... ) (المائدة:48-49) ،

بغـض النظر عـن الجنـس أو اللغـة أو المعـتقد، وقـد ترتب على ذلك أن اليهود لم يتحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بناء على ما نصـت عليه «الوثيقة» في البند رقم (42) فيما يتعلق بالأمن العام فحسب وإنـما كانوا يتحاكمـون إليه في بعض أمورهم الشخصـية التي لم تشمـلها «الوثيقة» فيأخـذون من الحكـم ما يروق لـهم ويتركون ما لا يتناسب مع أهوائهم وشهواتهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، رجع اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عقوبة الزاني المحصن: [ ص: 59 ] ( فعـن عبد الله بن عـمر رضي الله عنهما ، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون.. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم.. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجـم فقرأ ما قبلـها وما بعدها، فقال له عبد الله ابن سلام: ارفع يدك، فرفع يـده فإذا فيـها آية الرجـم، فقالوا: صـدق يا محمد، فيها آية الرجـم.. فأمر بهـما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.. قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة ) [8] .

أبطلت «الوثيقة» الازدواجية في الحكم وأعلنت في البند رقم (23 و42) «أن السلطة في الدولة الإسلامية تتسم بالوحدة وتكفل الحرية، ذلك أن النظام الإسلامي يقوم على التوحيد» [9] .

وقد بين الرسـول صلى الله عليه وسلم للناس أنه صاحـب السلطة القضائية، تأكيدا لما أراد أن يستقر في نفوسهم من أنه رئيس الحكومة التي قامت في المدينة بهجرته إليها، أما قوله صلى الله عليه وسلم في البندين رقم (23 و42) : «... فإن مرده إلى [ ص: 60 ] الله عز وجل» فهو إشارة إلى أنه سيتبع في فصله بين الناس ما يجده في كتاب الله من أحكام.. وقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم جهده في نقل عبء الثأر عن كاهل المجتمع، الذي بدوره يقيم الدعوة العامة على الجناة أمام محكمة عليا مرد الأمور فيها إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قضى الرسول صلى الله عليه وسلم على الحرب الأهلية؛ لأن غاية الأمة أن تضع الحرب أوزارها داخل المدينة، وإنهاء أي نزاع يعترض طريق السلم الدائم، هـذا في الداخل، أما في الخارج فقد اتجهت نية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تربية الأمة، وإعدادها لدفع غائلة الحرب من الخارج [10] ، «ولأول مرة يحكم القانون حيث ترد الأمور إلى الدولة، ويرجع بالرأي الأخير إلى رئيسها، وبذلك قام مجتمع جديد على مفاهيم جديدة، بعيدا عن القيم القبلية » [11] ، ومن ثم يمكن القول: بأن هـذه المرحلة قد تميزت بتوحيد الفكر السياسي وتمثله في النهاية في القرارات السياسية التي يتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم [12] . [ ص: 61 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية