الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

وثيقة المدينة (المضمون والدلالة)

أحمد قائد الشعيبي

المبحث الثالث: رعاية حقوق الإنسان وتأكيد حرمتها

كانت حياة العرب قبل الإسلام تموج بحركة عاصفة من الشهوات والمآثم، وحب السيادة والعلو، يعيش أفراد المجتمع فيها برباط الولاء للقبيلة، وما يستتبعه من تناصر مبني على قاعدة: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) »، بالمفهوم القبلي، توجههم تقاليد متوارثة - قطع الأرحام، وإساءة الجوار، وأكل القوي منهم للضعيف - حالت بينهم وبين الانخراط في حضارات عصرهم ومدنياته، لذا كان من أولويات الدولة الإسلامية الجديدة، التي أنشأها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة، أنها رسمت للناس المنهج القويم، الذي يكفل لهم الكرامة الإنسانية، فقد كانت بمثابة فتح جديد في تاريخ البشرية، حينما نص دستورها على أرقى مضامين الحرية والكرامة للإنسان، التي تمكنه من ممارسة حقوقه وحرياته الشخصية في هـذه الحياة، معتبرا انتهاكها والاعتداء عليها جريمة تستوجب العقوبة.

لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم «دستور» دولته دون خوف من ثورة شعـبية أو نتيجة لتفتح وعي الناس وقيامهم بمظاهرات للمطالبة به، أو نتيجة للتطور الاجتماعي والاقتصادي في مجتمع المدينة، وإنما كان بمثابة حركة إصلاح وتحرر وانعتاق من دياجير ظلمات الباطل، كالعبودية، وامتهان الكرامة الإنسانية، والتمايز الطبقي، واضطهاد الأقوياء للضعفاء، والتفاخر [ ص: 189 ] بالأحساب والأنساب، والظلم والجور، وإتيان الفواحش، وقول الزور، وإساءة الجوار، وانتهاك المحارم، وسفك الدماء [1] مبينا للإنسان حقوقه التي لا يجوز التنازل عنها أو عن بعضها؛ لأنها ضرورات إنسانية لا سبيل لحياة الناس بدونها، فردية كانت أو جماعية، ومن هـذه الحقوق:

1- حق الحرية.

2- حق الحياة.

3- حق حرية الاعتقاد.

4- حق العدل والمساواة.

5- كفالة حرية الرأي.

6- حق الأمن والمسكن والتنقل.

7- حق الفرد في المعونة المالية (التكافل والضمان الاجتماعي) .

وغيرها من الحقوق التي كفلها «دستور» دولة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي في نظر الإسلام ليست فقط حقوقا للإنسان من حقه أن يطالب بها ويسعى في سبيلها ويتمسك بالحصول عليها، ويحرم صده عن طلبها، وإنما هـي ضرورات واجبة لهذا الإنسان، أي أن الإسلام قد بلغ بإقراره لحقوق الإنسان إلى الحد الذي تجاوز بها مرتبة الحقوق عندما اعتبرها ضرورات، [ ص: 190 ] ومن ثم أدخلها في دائرة الواجبات، فالحفاظ عليها ليس مجرد حق للإنسان، بل هـو واجب عليه أيضا، يأثم هـو بذاته، فردا أو جماعة، إذا فرط فيها [2] ، بعكس الإعلانات السياسية والإنسانية، والدراسات الدستورية (بل والدساتير أحيانا) تركز على «الحقـوق» مع إشـارة عابرة إلى الواجبات، أو عدم الإشارة إليها إطلاقا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) المكون من ثلاثين مادة لا نجد من بينها نصا على «الواجبات» إلا في المادة (29) منه، وقد جاء الحث على الواجب في هـذا النص مقيدا غير مطلق، وفيه: « على كل فرد واجبات نحو المجتمع الذي يتاح فيه وحده لشخصيته أن تنمو نموا حرا كاملا» [3] .

لقد أرست «الوثيقة» حقوقا للإنسان وواجبات عليه، في تنسيق بديع متوازن يسير في علاقات توازن بين الحق والواجب، بما يحقق للإنسانية الخير والعدالة والكرامة. فما يعد حقا للفرد أو المجتمع في «الوثيقة» هـو فرض واجب على الفرد للفرد، وعلى المجتمع للفرد، وعلى الفرد للمجتمع، وعلى الدولة للفرد والجماعة معا في النظام الإسلامي. فالمجتمع الإسلامي الجديد كل متكامل يلتقي [ ص: 191 ] فيه الفرد بالمجتمع في نظام يحكمـه الواجب الذي يرقى إلى درجة الإلزام، وهذا ما صرحت به «وثيقة» المدينة في بنودها من رقم (3 إلى 12) وكذلك البنود (13 و16 و21 و25 و37 و39 و40) وهذا يعني أن ما للفرد أو للمجتمع من حق هـو واجب على الفرد والمجتمع يرقى إلى درجة الإلزام.

فالحرية حق لكل إنسـان وواجب على الآخرين رعـايته، وكذلك حق الإنسان في الحياة وفي التعلم وفي الرعاية الصحية والاجتماعية واجب على المجتمع كفالته، وهو واجب لا يملك المجتمـع الإغضاء عنه أو إنكاره، إذ أن حق الفرد على المجتمع واجب ملزم للجماعة، ويتضمن هـذا الواجب الرعاية والكفالة والحماية بكل أنواعها، ولا يعني ذلك مسئولية الدولة المطلقة، أو فناء شخصية الفرد في الجماعة، بل تبقى للفرد بعد ذلك شخصيته المتكاملة وحوافزه الذاتية حرة طليقة من كل قيد في كل ما يتعلق بشئونه الخاصة، أو نشاطه الخاص وفقا لحـدود الشريعة [4] ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرق في تقريره لحقوق الإنسان وواجباته في «دستور» دولته بين غني وفقير، ومسلم وغير مسلم، وشريف ووضيع، وأبيض أو أسود، فالكل سواسية كأسنان المشط أمام القانون. [ ص: 192 ]

حقوق الإنسان في «دستور» الدولة الإسلامية الأولى [5]

1- حق الحرية

إن الحرية في الإسلام هـي أكثر الحقوق قدسية، لذا نجد أن «دستور» المدينة اهتم اهتماما بالغا بحق الحياة الكريمة للإنسان وحق حرية العقيدة... ودفع بها أشواطا بعيدة في طريق الرقي والتقدم تتجاوز الحضارة المعاصرة بمراحل.

فالإنسان حر بفطرته لا يقبل أن يستعبد أو يسترق، فلا يحق لأحد أن يستعبد الآخر؛ لأن الله كرم ابن آدم وفضله على سائر مخلوقاته، وجعله في ذاته عزيزا غير ذليل.. وهذه الأفضلية مقياس رباني لا يحق لفرد تجاوزها ليستعبد غيره، وقد أكد «الدستور» في بنوده من رقم (3 إلى 12) «أن كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف...» لكي لا يسترق ذلك الأسير ويصبح عبدا فاقدا للحرية، معتبرا هـذا الحق للفرد واجبا على المجتمع حمايته والمحافظة عليه؛ لأن الإنسان منذ ولادته يولد حرا لا يملكه أحد.

فإذا كانت غاية الحماية الدولية لحقوق الإنسان هـي حماية الفرد من خلال الإجراءات القانونية العادلة فإن الإسلام يوفر ذلك ويضمن العدالة الفردية. إن مبدأ عدم انتهاك الحقوق الشخصية للأفراد المتعلقة بالحق في [ ص: 193 ] الحياة والحرية بمختلف أنواعها إلا طبقا للقانون، ومبدأ إخضاع الحكام لسيادة القانون منعا لاستبدادهم، هـما من المبادئ التي يتفق عليها الإسلام ونظرية حقوق الإنسان المحمية دوليا [6] .

2- حق الحياة:

يتضح هـذا الحق عندما ننظر إلى العقوبات التي تضمنتها «الصحيفة» تجاه القاتل الذي ينهي حياة شخص دون حق « من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به » وينص البند رقم (40) على أن «الجار كالنفس...» فالحياة حق مشترك يتمتع به جيمع الناس دون تمييز أو تفرقة،

قال تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... ) (المائدة:45) ،

فالمسلم وغير المسلم، والرجل والمرأة، كلهم سواء في حرمة الدم واستحقاق الحياة، فالآية رقم (178) من سورة البقرة تنص على أن جزاء كل من يقتل نفسا بغير حق هـو القتل -إلا إذا عفا عنه ولي المقتول- بقطع النظر عن عقيدته وجنسه، وهذا ما يجعلنا نجزم بأن الحرص على حياة جميع المتساكنين في المدينة من غير استثناء لأحد كان مرعيا ومعتبرا في صياغة «الوثيقة»، فالآية رقم (32) من سورة المائدة التي تعزز بنود «الوثيقة» تقرر أن الاعتداء على نفس واحدة لم تقتل نفسا أخرى ولم تفسد في الأرض بقطع الطريق وترويع الآمنين يعد في حكم الإسلام اعتداء على الناس جميعا. [ ص: 194 ] وفي مقابل هـذا جعل الشرع حماية روح أي إنسان تعدل حماية أرواح النوع الإنساني بأسره. وبعبارة أخرى، فإن الإنسان إذ اجتهد في حماية الحياة الإنسانية فقد أحيا الإنسان ذاته. وفي هـذا إيماء إلى وجوب التكافل الإنساني للعمل على استئصال شأفة جريمة القتل في المجتمع الإسلامي كله، لأنها تشكل تهديدا خطيرا لوجود الإنسان وتحديا لمشاعره وتقويضا لأمنه واستقراره [7] ، لهذا شدد الإسلام في عقوبة القتل، فجعل قتل القاتل بيد ولي القتيل، واعتبر احترام هـذا الجزاء سببا من أسباب حياة المجتمع.

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على توضيح حق الإنسان في الحياة، وعقوبة المعتدي عليها في «الدستور» الذي أملاه بعد الهجرة إلى المدينة، كما بين فيه وضع الأمة الجديدة وعلاقة أفرادها بعضهم بعضا وعلاقتهم مع غيرهم من اليهود وبعض الفئات الأخرى من الوثنيين، وذلك حينما نص على حقوق الناس الحياتية إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في بنوده (رقم 14 و16 و21 و25 و40) بشكل لا تمييز فيه بين إنسان وآخر [8] ؛ لأن إزهاق الروح بغير وجه حق جريمة ضد الإنسانية كلها، كما أن حمايتها من الهلاك نعمة على الإنسانية كلها.

لقد أباح الإسلام من خلال «الوثيقة» لكل المتعاقدين أن يعيشوا جنبا إلى جنب في مجتمع المدينة، فالمسلم وغير المسلم سواء في حرمة الدم [ ص: 195 ] واستحقاق الحياة، والاعتداء على المسالمين من أهل الكتاب هـو في نكارته وفحشه كالاعتداء على المسلمين وله سوء الجزاء في الدنيا والآخرة [9] .

كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حق الحياة في خطبة حجة الوداع ، حيث جاء البند الأول منها قوله: ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هـذا في شهركم هـذا في بلدكم هـذا ) [10] .. إن حق الحياة في «الوثيقة» هـو في أعلى مرتبة من الاعتبار بالنسبة إلى سائر حقوق الإنسان؛ لأنه أصل الحقوق وأساس تحققها. لذلك إذا كان من حق الإنسان الفرد أن يحيا فإن من واجبه أن يحـافظ على حياتـه، وأن يصونها من كل ما يضر أو يهين أو يشين،

قال تعالى: ( ... ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ... ) (البقرة:195)

وذلك تمكينا له من أداء رسالته في الحياة.

3- حق حرية الاعتقاد

عندما أقر «دستور» الدولة الإسلامية الأولى في المدينة في بنوده من رقم (25 إلى 35) حق الفرد في حرية العقيدة، لم يكتف بذلك بل عمل على حمايتها بوسيلتين:

- احترام حق (الغير) في اعتقاد ما يشاء، وفي تركه يعمل طبقا لعقيدته، وعدم إكراهه على اعتناق ما يخالف هـذه العقيدة. [ ص: 196 ] - مجادلة صاحب هـذه العقيدة المخالفة بالحسنى، فإن أمكن إقناعه بالعدول عن عقيدته عن طواعية واختيار دون ضغط ولا إكراه فلا حرج في ذلك، وإن ظل على عقيدته فلا يجوز التأثير عليه بما يحمله على تغييرها وهو غير راض [11] .

وهنا نستطيع القول: إن «الوثيقة» أعلنت من أول وهلة للإنسانية مبدأ مهما من مبادئ حقوق الإنسان، مبدأ عدم الإكراه في الدين، وأعطت في ظلها كل فرد الحرية في أن يختار من المعتقدات ما يشاء؛ لأن حق حرية الاعتقاد حق غالي وثمين ظل المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاما يكافحون من أجله، ويتحملون المشاق في سبيله حتى استقر في النهاية، وكما حصل المسلمون عليه اعترفوا به كاملا متكاملا بالنسبة للآخرين، والتاريخ الإسلامي كله يخلو من فرض المسلمين دينهم بالقوة والإكراه على الرعايا غير المسلمين، أو اضطهادهم شعبا لينطق بكلمة أو حرف [12] ، لإيمانهم الراسخ أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هـذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع،

قال تعالى: ( ... فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ) (الكهف:29) ،

ولهذا لا يفكر المسلم يوما أن يجبر الناس ليصيروا كلهم مسلمين، فهو ليس مكلفا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وإنما حسابهم [ ص: 197 ] على الله، لذا عملت الدولة الإسلامية في المدينة على حماية هـذا الحق معتبرة ذلك من واجباتها نحو رعاياها بمختلف مشاربهم ومعتقداتهم.

يقول محمد الخضر حسين ، رحمه الله، عن حق حرية الاعتقاد في الإسلام: «لقد قرر الإسلام في معاملة الأمم التي ضمها تحت حمايته حقوقا تضمن لهم الحرية في ديانتهم، والفسحة في إجراء أحكامهم بينهم، وإقامة شعائرها بإرادة مستقلة، فلا سبيل لأولي الأمر على تعطيل شعيرة من شعائرهم، ولا مدخل للسلطة القضائية في فصل نوازلهم الخاصة إلا إذا تراضوا على المحاكمة أمامها فتحكم بينهم على قانون العدل والتسوية،

قال تعالى: ( ... وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) (المائدة:42) ..

وإبقاء المحكومين على شرائعهم وعوائدهم منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية» [13] .

إن هـذا النظام العقـائدي والأخـلاقي والعملي لا يمكن فرضه على أي إنسان بالقـوة والجـبر، فهو ليس بالشيء الذي يحشر في ذهن الإنسان حشرا، وهذا ما حـدا بالدولة الإسلامية الأولى بالمدينة إلى أن تحمل على عاتقها واجب حماية هـذا الحق لجميع المتساكنين بمخلتف أجناسهم وعقائدهم. [ ص: 198 ]

4- حق العدل والمساواة

المساواة هـي مبدأ أولي لمعرفة الحقوق والواجبات، وأعظم مؤيد للعدالة والحرية بين سائر الأفراد، وهي -المساواة- الفاروق الأكبر بين العدالة الحقة والعدالة الوهمية التي تنخر عظام الأمم وتمتص دم حياتها [14] .

فالعـدالة والمسـاواة حقان من حقـوق الإنسان والمجتمع، جعلهما الله لجميع الناس فـلا فرق بين كبير وصغـير ولا شريف وحقير، ( قال صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ) [15] .

فالخلق كلهم عيال الله، وإن أحبهم إليه أنفعهم لعياله، وإنه لا فضل لأحد منهم على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح [16] ؛ أما في «دستور» المدينة فقد ورد في البند رقم (15) : ( أن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم ) إضافة إلى بنود أخرى عديدة أكدت على حق المساواة بين المسلمين وغيرهم في الحقوق والواجـبات العامـة، فلا يختلف اليهود والمشركون عن المسلمـين إلا فيما يتعلق بالعقيدة، ولذلك كان كل ما يتعلق بالعقيدة لا مساواة فيه، وهذا تأكيد للمساواة، فالواقع أنه إذا كانت المساواة بين [ ص: 199 ] المتساويين عدلا خالصا فإن المساواة بين المتخالفين ظلم واضح، ولا يمكن أن يعتبر عدم المساواة بين المسلمين وغيرهم فيما يتعلق بالعقيدة استثناء من قاعدة المساواة التي قررتها «الوثيقة»، بل هـي تأكيد للمسـاواة، إذ المساواة لا يقصد بها سوى تحقيق العدل بين الناس بقطع النظر عن أعراقهم ومعتقداتهم، والدليل على ذلك أن الله أنزل في كتابه آيات تتلى تبرئة لساحة يهودي ألصقت به تهمة هـو بريء منها، وذلك أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لأحد المسلمين، فلما خشي أن ينكشف أمره رمى به في بيت يهودي، وحاول إلصاق فعلته باليهودي البريء، وشايعه على ذلك بعض قومه، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجادلون، محاولين تبرئة ساحة صاحبهم وتغليظ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم على اليهودي، فأنزل الله على رسوله قرآنا يفضح مؤامراتهم ويكشف دسيستهم،

قال تعالى: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ... ) (النساء: 105) [17] .

وهكذا توطد العدل في دولة الرسول صلى الله عليه وسلم القائمة على أساس «دستور» منظم يؤيده القرآن الكريم، وعمل على تطبيقه فيما بعد الخلفاء، فعندما كان عمرو بن العـاص ، رضي الله عنه ، وآليا على مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، اشتبك ابن له مع أحد المصريين وأغراه سلطان [ ص: 200 ] أبيه فضربه، فأقسم المضروب ليبلغن شكواه إلى أمير المؤمنين عمر ... " فقال عمر لعمرو بن العاص : «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» " ثم توجـه إلى الشـاكي وناوله سوطـه وقال له: اضرب ابن الأكرمين كما ضربك [18] .. وكذلك ساوى عمر، رضي الله عنه ، بين جبلة بن الأيهم (أحد ملوك غسان) وبين أعرابي من العامة، وذلك حينما كان جبلة يطوف بالكعبة فزحمه الأعرابي وداس ثوبه بدون قصد فلطمه على وجهه، ورفعت القضية إلى عمر بن الخطاب فحكم بالقصاص إلا أن يعفو الأعرابي قائلا لجبلة: إن الإسلام سوى بينكما، فترك جبلة أرض المساواة وآثر أرض الطبقات بفراره إلى أرض الرومان مرتدا عن الإسلام، ولكنه تحركت في نفسه هـواجس الندم فأنشد قائلا:

تنصرت الأشراف عن عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر     تكنفني منها لجاج ونخوة
وبعت لها العين الصحيحة بالعور     فيا ليت أمي لم تلدني وليتني
رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر [19]

لقد أكد الإسلام على أن المساواة بين الناس لا تسود إلا في ظل الحرية والعدل والسلام؛ لأنها المعايير الأساسية للحياة في المجتمع. [ ص: 201 ]

5- كفالة حرية الرأي

إن كشف الخطأ للوقاية منه أو تجنب التمادي فيه هـو صورة عملية لنقد البناء المستنير المخلص، ولا يمكن ممارسة هـذا النقد إلا مع كفالة حرية الرأي، وقد تضمنت «الوثيقة» هـذا المبدأ وجعلته حقا، ليس للمسلم وحده وإنما لسائر البشر، وأتاحت لهؤلاء جميعا إبداء رأيهم، حيث تنص الفقرة (4) من البند رقم (37) على: «وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم» فحق إبداء الرأي الذي يدعو إليه «الدستور» هـو ما يؤدي في النهاية إلى خير المجتمع، وتزكية القيم الأخلاقية الفاضلة وترسيخها في الوجدان العام، بما يحقق كرامة الإنسان، ويحفظ له إنسانيته، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تعميق هـذا المبدأ حينما كان يستحث أصحابه على ممارسة حرية الرأي معه، فكان يستطلع آراءهم في الشئون العامة، بل وفي المسائل الخاصة، وكان يأخذ غالبا بآرائهم، وإن خالفت رأيه، من ذلك على سبيل المثال: ما حدث في معركة بدر ، من الحباب بن المنذر الذي كان له رأي يخالف رأي الرسول في تحديد مكان نزول الجيش، فتنازل الرسول صلى الله عليه وسلم عن رأيه وأخذ برأي هـذا الصحابي [20] .

أما في عهد الخلفاء، فقد كان حق إبداء الرأي مكفولا للجميع، [ ص: 202 ] فعلى سبيل المثال أنه " جاء يوما رجل إلى الخليفة عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، وخاطبه في معرض حديثه: اتق الله يا عمر (!) فقام له بعض الحضور وقد غضبوا أن يحدث الخليفة بمثل هـذه اللهجة، إلا أن عمر أسكتهم، وقال: دعوه فليقلها، فلا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها منكم " . وهذا التصرف الأخلاقي الراقي من أمير المؤمنين إنما انبعث من تلك الروح التي نادى بها الإسلام قبل خمسة عشر قرنا حين أرسى مبدأ حرية الفكر والرأي [21] .

6- حق الأمن والمسكن والتنقل

هي من الحريات الأساسية للإنسان، ذلك أن الإنسان كائن متحرك بطبيعته، فالأمن والمسكن وحركة التنقل قوام الحياة، ومن ضروراتها، كضرورات الماء والهواء، لأن الحركة وسيلة للعمل، والعمل وسيلة للكسب، والكسب وسيلة الحياة، هـذا فضلا عن أن في الحركة والتنقل حماية لصحة الإنسان الجسدية والنفسية على حد سواء.

إذا كانت هـذه الحـقوق قد أقرتـها النظم الوضعية كهدف من أهداف الإنسانية التي توصـلت إليها بعد عناء، فإنها في النظام الإسـلامي تعد أمرا طبيعيا مـلازما للحياة [22] منذ أن هـاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأنشأ دولته التي ينص دسـتورها في البندين رقم (39 و47) على حق الأمن والمسكن والتنقل لجميع المتساكنين داخل حدود الدولة الإسلامية الجديدة وخارجها. [ ص: 203 ]

7- حق الفرد في المعونة المالية والاقتصادية (التكافل، والضمان الاجتماعي)

ثمة مبدأ أساسي هـو أن للجائع –تحت أي ظرف من الظروف– الحق في أن يحصل على الطعام، كما أن للعريان الحق في الحصول على الكساء،

قال تعالى: ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) (الذاريات:19) ،

( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) (الإنسان:8) ،

هـذه الحقوق الأسـاسية للإنسـان ركزت عليها «الوثيقة» في بنودها من رقم (3 إلى 11) .

لكن من الشائع في الكتابات السياسية والقانونية، وفي الدراسات الاجتماعية، أن عهد الإنسان بالوثائق والشرائع التي بلورت حقوقه الإنسانية، أو تحدثت عنها مقننة لها، ومحددة لأبعادها، قد بدأ بإعلان حقوق الإنسان الذي ظهر عام 1789م، ويؤكد الغربيون أنهم استمدوا تلك الحقوق من مبادئ الثورة الفرنسية الكبرى التي أطاحت بالملكية والإقطاع،... فإبان هـذه الثورة وضع « أمانول جوزيف سيس » (1748-1836م) وثيقة حقوق الإنسان، تلك التي أقرتها (الجمعية التأسيسية) وأصدرتها «بإعلان تاريخي» وثيقة سياسية واجتماعية ثورية في 26 أغسطس 1789م، وهي مشتقة من كتابات وأفكار فلاسفة عصر التنوير في فرنسا في القرن الثامن عشر خصوصا نظرية ( جان جاك رسو Rousseau) .. ولقد نصت هـذه «الوثيقة» على حقوق الإنسان «الطبيعية» مثل حقه في الحرية، والأمن، والمساواة بين جميع المواطنين أمام الشرائع والقوانين...إلخ، [ ص: 204 ] وقد فعلت هـذه «الوثيقة» فعل السـحر في الحركات الثورية والإصلاحية، سواء في أوروبا أو خارجها، منذ ذلك التاريخ... حتى جاء دور تدويلها، فدخلت مضامينها ميثاق «عصبة الأمم» سنة 1920م، ثم ميثاق الأمم المتحدة، سنة 1945م، ثم أفردت دوليا بوثيقة خاصة هـي «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» الذي أقرته الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948م [23] .

ذلك هـو التاريخ الشائع لنشأة مواثيق حقوق الإنسان، وهو تاريخ إذا تأملناه وجـدناه يمثل بداية التاريخ الأوروبي لحقوق الإنسان، لأنه يتضح لنا مما سبق أمران:

- أن تصور حقوق الإنسان في العالم الغربي لا تاريخ له ولا وجود قبل قرنين أو ثلاثة.

- أن هـذه الحقوق –بالرغم من أن العالم ما يفتأ يرددها ويطنطن باسمها– ليس وراءها أية سلطة أو قوة منفذة، بل هـي مجرد أمان ورغبات، صبت في كلمات وألفاظ ساحرة براقة، عبرت إلى أوروبا في ضوء الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى [24] .

فإذا نظرنا إلى تاريخ الإسلام، نجد أنه قد تقرر إعلان حقوق الإنسان في «دستور» دولة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأذاع ملخصه الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة [ ص: 205 ] حجة الوداع، وبهذا يكون قد سبق إعلان الأمم المتحدة بأكثر من أربعة عشر قرنا.

والدليل على ذلك أن أغلبية مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا اليوم والمذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان موجودة وثابتة في التعاليم الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والتي نادى بها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ القرن السابع الميلادي، أي قبل أحد عشر قرنا من عصر التنوير في فرنسا .

إننا نجد بعض المصطلحات المذكورة في التعاليم الإسلامية الثابتة موجودة حرفيا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسـان، منها على سبيل المثال ما ورد في المواد التالية:

المادة الأولى: «يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميرا، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء».

إن هـذه المادة متطابقة مع مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا. " المادة الثانية: «لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هـذا الإعـلان، دون أي تمييز كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين... ».

تكاد تكون هـذه المادة ترجمة أو نقلا عن الحديث الشريف الذي يؤكد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم المساواة حينما قال: ( يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي [ ص: 206 ] ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ) [25] .. وهذا الحديث يعتبر أساسيا في أسبقية الإسلام في إقرار مبادئ حقوق الإنسان، وعدم التمييز بين إنسان وآخر بسبب العنصر (عربي، أعجمي) أو اللون (أبيض، أحمر، أسود) أو اللغة (عربية، أعجمية) .

كما أن بعض الآيات يؤكد عدم التفاضـل بين الناس بسـبب الجنس أو اللون أو العنصر،

قال تعالى: ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) (الروم:22)

فالاختلاف في اللون وفي اللغة ليس أساسا للتفاضل بين الناس، وإنما هـو من نعم الله عليهم، وهذا ما يردده حاليا علماء الاجتماع في أوروبا من أن اختلاف الجنسيات والثقافات واللغات والأجناس إنما هـو إثراء للمجتمعات.. أما علاقتها بدستور المدينة فإنها تتوافق مع كثير من الفقرات، إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة.

المادة السابعة: «كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أية تفرقة...».

نلفـت الانتباه في هـذه المادة إلى كلمة «سواسية» وهي نفس الكلمة التي قصدتها الآية الأولى من سورة النساء: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) ، والآية الثالثة عشرة من سورة الحجرات: [ ص: 207 ] ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، أما ورودها في «الوثيقة» فإنه يظهر جليا في بنودها رقم (24 و25 إلى 35 و37 و38 و39 و41 و43 و44 و45 و45ب و47) .

وخلاصة القول:

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس إلا وثيقة دولية صاغها بعض البشر عام 1948م، أرادوا بها أن يتفادوا جرائم الحرب البشعة التي سجلها التاريخ أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية والنصف الأول من القرن العشرين مثلما ذكروا ذلك في ديباجة الإعلان [26] : «ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدرائها قد أفضى إلى أعمـال هـمجـية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة...»، لقد أرادوا أن يضـعوا لدول العالم مخرجا مما وصـلت إليه من انتهاكات صـارخة لحقوق الإنسان، ولكن لم يتم تطبيق هـذا الإعـلان الذي توصلوا إليه؛ لأنه لم يكن ملزما كالذي وضعه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وطبقه من أول وهلة على جميع سكان الدولة الإسلامية الأولى في المدينة. [ ص: 208 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية