الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زكاة التين والتفاح والسفرجل والرمان وأشباهها

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا تجب فيما سوى ذلك من الثمار كالتين والتفاح والسفرجل والرمان ; لأنه ليس من الأقوات ، ولا من الأموال المدخرة المقتاتة ، ولا تجب في طلع الفحال ; لأنه لا يجيء منه الثمار ، واختلف قوله في الزيتون فقال في القديم : تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر رضي الله عنه " أنه جعل في الزيت العشر " وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال " في الزيتون الزكاة " وعلى هذا القول إذا أخرج الزيت عنه جاز لقول عمر رضي الله عنه ولأن الزيت أنفع من الزيتون ، فكان أولى بالجواز . وقال في الجديد : لا زكاة فيه ; لأنه ليس بقوت فلا تجب فيه زكاة كالخضراوات واختلف قوله في الورس ، فقال في القديم : تجب فيه الزكاة ، لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه : كتب إلى بني خفاش " أن أدوا زكاة الذرة والورس " وقال في الجديد : لا زكاة فيه ; لأنه نبت لا يقتات به ، فأشبه الخضراوات . قال الشافعي رضي الله عنه : من قال : لا عشر في الورس لم يوجب في الزعفران ومن قال : يجب في الورس ، فيحتمل أن يوجب في الزعفران ; لأنهما طيبان ، ويحتمل أن لا يوجب في الزعفران ، ويفرق بينهما أن الورس شجر له ساق ، والزعفران نبات ، واختلف قوله في العسل ، فقال في القديم : يحتمل أن تجب فيه ووجه ما روي : " أن بني شبابة بطن من فهم كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل كان عندهم العشر من عشر قرب قربة " وقال في الجديد : لا تجب ; لأنه ليس بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض . واختلف قوله في القرطم : وهو حب العصفر ، [ ص: 433 ] فقال في القديم : يجب إن صح فيه حديث أبي بكر رضي الله عنه وقال في الجديد : لا تجب ; لأنه ليس بقوت فأشبه الخضراوات ) :

التالي السابق


( الشرح ) : الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه ضعيف رواه البيهقي ، وقال : إسناده منقطع وراويه ليس بقوي ، قال : وأصح ما روي في الزيتون قول الزهري " مضت السنة في زكاة الزيتون أن تؤخذ ، فمن عصر زيتونه حين يعصره فيما سقت السماء أو كان بعلا العشر ، وفيما سقي برش الناضح نصف العشر " وهذا موقوف لا يعلم اشتهاره ، ولا يحتج به على الصحيح . قال البيهقي : وحديث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أعلى وأولى أن يؤخذ به ، يعني روايتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما لما بعثهما إلى اليمن " { لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة الشعير والحنطة والتمر والزبيب } وأما المذكور عن ابن عباس فضعيف أيضا والأثر المذكور عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ضعيف أيضا ، ذكره الشافعي وضعفه هو وغيره ، واتفق الحفاظ على ضعفه ، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على ضعفه قال البيهقي : ولم يثبت في هذا إسناد تقوم به حجة ، قال : والأصل عدم الوجوب فلا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح ، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح ، وأما حديث بني شبابة في العسل فرواه أبو داود والبيهقي وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد ضعيف ، قال الترمذي في جامعه : لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا كبير شيء ، قال البيهقي : قال الترمذي في كتاب العلل : قال البخاري : ( ليس في زكاة العسل شيء يصح ) : فالحاصل أن جميع الآثار والأحاديث التي في هذا الفصل ضعيفة .

( وأما ألفاظ الفصل ) : فبنو خفاش بخاء معجمة مضمومة ، ثم فاء مشددة هذا هو الصواب وضبطه بعض الناس بكسر الخاء وتخفيف الشين وهو غلط وبنو شبابة بشين معجمة مفتوحة ، ثم باء موحدة مخففة ، ثم ألف ثم موحدة أخرى ( وقوله ) : بطن من فهم بفتح الفاء وإسكان الهاء قال الجوهري في الصحاح : بني شبابة يكونون في الطائف . [ ص: 434 ] أما أحكام الفصل ) : فمختصرها أنها كما قالها المصنف ( وأما ) : بسطها فاتفقت نصوص الشافعي والأصحاب أنه لا زكاة في التين والتفاح والسفرجل والرمان ، وطلع فحال النخل والخوخ والجوز واللوز والموز وأشباهها ، وسائر الثمار سوى الرطب والعنب ، ولا خلاف في شيء منها إلا الزيتون ففيه القولان : كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ووجهه أن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليله . وأما الزيتون ففيه القولان : اللذان ذكرهما المصنف بدليليهما ، وهما مشهوران واتفق الأصحاب على أن الأصح أنه لا زكاة فيه ، وهو نصه في الجديد . قال أصحابنا : والصحيح في هذه المسائل كلها هو القول الجديد ; لأنه ليس للقول القديم حجة صحيحة فإن قلنا بالقديم : أن الزكاة تجب في الزيتون .

قال أصحابنا : وقت وجوبه بدو صلاحه وهو نضجه واسوداده ، ويشترط بلوغه نصابا . هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب في جميع الطرق إلا ما حكاه الرافعي عن ابن القطان أنه خرج اعتبار النصاب فيه ، وفي سائر ما اختص القديم بإيجاب الزكاة فيه على قولين ، ويعتبر النصاب زيتونا لا زيتا هذا هو المذهب وبه قطع القاضي حسين والجمهور ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه . وذكر صاحب الحاوي فيه وجهين إذا كان مما يجيء منه الزيت ( أحدهما ) : هذا ( والثاني ) : يعتبر زيتا ، فيؤخذ عشره زيتا ، وهذا شاذ مردود . قال أصحابنا : ثم إن كان زيتونا لا يجيء منه زيت أخذت الزكاة منه زيتونا بالاتفاق وإن كان يجيء منه زيت كالشامي قال الشافعي رضي الله عنه في القديم : إن أخرج زيتونا جاز ; لأنه حالة الادخار ، قال : وأحب أن أخرج عشره زيتا ; لأنه نهاية ادخاره ونقل الأصحاب عن ابن المرزباني من أصحابنا أنه حكى في جواز إخراج الزيتون وجهين قال الشيخ أبو حامد وسائر الأصحاب : هذا غلط من ابن المرزباني ، والصواب ما نص عليه في القديم ، وهو أنه يجوز أن يخرج زيتا أو زيتونا أيهما شاء ونقل إمام الحرمين وجها أنه يتعين إخراج الزيتون دون الزيت ، قال : ; لأن الاعتبار به الاتفاق ، فحصل [ ص: 435 ] ثلاثة أوجه حكاها إمام الحرمين وغيره

( أصحها ) : عند الأصحاب وهو نصه في القديم أنه مخير إن شاء أخرج زيتا ، وإن شاء أخرج زيتونا ، والزيت أولى كما نص عليه ( والثاني ) : يتعين الزيت ( والثالث ) : يتعين الزيتون ، قال صاحب التتمة وغيره : فإذا قلنا بالمذهب وخيرناه بين إخراج الزيتون والزيت ، فالفرق بينه وبين التمر أنه يتعين ولا يجوز أن يخرج عنه دبس التمر ولا خل التمر ; لأن التمر قوت والخل والدبس ليسا بقوت ، ولكنهما أدمان ( وأما ) : الزيتون ، فليس بقوت بل هو أدم والزيت أصلح للأدم من الزيتون ، فلا يفوت الغرض .

قال أصحابنا : ولا يخرص الزيتون بلا خلاف لمعنيين ذكرهما القاضي أبو الطيب في تعليقه وغيره ( أحدهما ) : وهو الذي اعتمده الجمهور أن الورق يخفيه مع صغر الحب وتفرقه في الأغصان ولا ينضبط بخلاف الرطب والعنب ( والثاني ) : أن الغرض من خرص النخل والعنب تعجيل الانتفاع بثمرتهما قبل الجفاف ، وهذا المعنى لا يوجد في الزيتون قال إمام الحرمين إذا أخرج العشر زيتا ، فالكسب الذي يحصل من عصر الزيت لا نقل فيه عندي . قال : ولعل الظاهر أنه يجب تسليم نصيب الفقراء منه إليهم ، وليس كالقصل والتبن الذي يتخلف عن الحبوب ; لأن الزكاة تجب في الزيتون نفسه ، ثم على المالك مؤنة تمييز الزيت ، كما عليه مؤنة تجفيف الرطب ، ولا يجب العشر في الزروع إلا في الحب دون التبن قال : وفي المسألة احتمال والله تعالى أعلم .



وأما الورس فالصحيح الجديد لا زكاة فيه ، وأوجبها القديم وسبق دليلهما ، فإن أوجبناها لم نشرط فيه النصاب على المذهب ، وبه قطع الجماهير في الطريقتين بل تجب في قليله وكثيره ، ولا خلاف فيه إلا ما سبق عن ابن القطان أنه طرد قولين في اعتبار النصاب فيه وفي سائر ما اختص القديم بإيجاب زكاته ، وفرق الأصحاب بينه وبين الزيتون على المذهب فيهما بفرقين ( أحدهما ) : أن النص الوارد في الزيتون مقيد بالنصاب ومطلق في الورس ، فعمل به في كل منهما على حسب وروده ( والثاني ) : أن الغالب أنه لا يجتمع لإنسان واحد من الورس نصاب بخلاف الزيتون ، واعلم أن الورس ثمر [ ص: 436 ] شجر يكون باليمن أصفر يصبغ به ، وهو معروف يباع في الأسواق في كل البلاد هكذا ذكره المحققون ، وقال البغوي والرافعي : هو شجر يخرج شيئا كالزعفران وهو محمول على ما ذكره المحققون .



وأما الزعفران فالأشهر أنه كالورس فلا زكاة فيه على الصحيح الجديد وتجب في القديم ، وقيل لا تجب قطعا ، وحكم النصاب كما سبق في الورس .



وأما العسل ففيه طريقان أشهرهما وبه قال المصنف والأكثرون فيه القولان : ( الصحيح الجديد ) : لا زكاة ( والقديم ) : وجهان : ( والثاني ) : القطع بأن لا زكاة فيه ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون . ومن الأصحاب من قال : لا تجب في الجديد ، وفي القديم قولان : والمذهب لا تجب لعدم الدليل على الوجوب . قال أصحابنا : والحديث المذكور ضعيف كما سبق . قالوا : ولو صح لكان متأولا ، ثم اختلفوا في تأويله فقيل يحمل على تطوعهم به ، وقيل : إنما دفعوه مقابلة لما حصل لهم من الاختصاص بالحمى ، ولهذا امتنعوا من دفعه إلى عمر رضي الله عنه حين طالبهم بتخلية الحمى لسائر الناس . وهذا الجواب هو الذي ذكره القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في المجموع فإن أوجبناها ففي اعتبار النصاب خلاف ، المذهب اعتباره ، وقال ابن القطان : قولان : كما سبق في الزيتون قال إمام الحرمين : وسواء كان النخيل مملوكا له أو أخذه من المواضع المباحة ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث