الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ حَيْثُ تَكُونُ الْمَشَقَّةُ الْوَاقِعَةُ بِالْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ خَارِجَةً عَنْ مُعْتَادِ الْمَشَقَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ ، حَتَّى يَحْصُلَ بِهَا فَسَادٌ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ; فَمَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهَا الرَّفْعُ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِيهَا الرُّخَصُ مُطْلَقًا . وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ خَارِجَةً عَنِ الْمُعْتَادِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَعُ الْمَشَقَّةُ فِي مِثْلِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ ، فَالشَّارِعُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وُقُوعَهَا ، فَلَيْسَ بِقَاصِدٍ لِرَفْعِهَا أَيْضًا . وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَاصِدًا لِرَفْعِهَا لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ مَعَهَا; لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَادِيٍّ أَوْ غَيْرِ عَادِيٍّ يَسْتَلْزِمُ تَعَبًا وَتَكْلِيفًا عَلَى قَدْرِهِ قَلَّ أَوْ جَلَّ ، إِمَّا فِي نَفْسِ الْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ ، وَإِمَّا فِي خُرُوجِ الْمُكَلَّفِ عَمَّا كَانَ فِيهِ إِلَى الدُّخُولِ فِي عَمَلِ التَّكْلِيفِ ، وَإِمَّا فِيهِمَا مَعًا ، فَإِذَا اقْتَضَى الشَّرْعُ رَفْعَ ذَلِكَ التَّعَبِ كَانَ ذَلِكَ اقْتِضَاءً لِرَفْعِ الْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَكَانَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ . إِلَّا أَنَّ هُنَا نَظَرًا ، وَهُوَ أَنَّ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ; فَلَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، كَالْمَشَقَّةِ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي الصَّلَاةِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الصِّيَامِ ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي الصِّيَامِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْحَجِّ ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْجِهَادِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ التَّكْلِيفِ ، وَلَكِنَّ كُلَّ عَمَلٍ فِي نَفْسِهِ لَهُ مَشَقَّةٌ مُعْتَادَةٌ فِيهِ تُوَازِي مَشَقَّةَ مِثْلِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ فَلَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْمُعْتَادِ عَلَى الْجُمْلَةِ . ثُمَّ إِنَّ الْأَعْمَالَ الْمُعْتَادَةَ لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِيهَا تَجْرِي عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ ، فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ; فَلَيْسَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ يُسَاوِي إِسْبَاغَهُ فِي الزَّمَانِ الْحَارِّ ، وَلَا الْوُضُوءُ مَعَ حَضْرَةِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فِي اسْتِقَائِهِ يُسَاوِيهِ مَعَ تَجَشُّمِ طَلَبِهِ أَوْ نَزْعِهِ مِنْ بِئْرٍ بَعِيدَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ مِنَ النَّوْمِ فِي قِصَرِ اللَّيْلِ أَوْ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ ، مَعَ فِعْلِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [ الْعَنْكَبُوتِ : 10 ] بَعْدَ قَوْلِهِ : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 2 ] إِلَى آخِرِهَا . وَقَوْلِهِ : وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [ الْأَحْزَابِ : 10 - 11 ] . ثُمَّ مَدَحَ اللَّهُ مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَصَدَقَ فِي وَعْدِهِ بِقَوْلِهِ : رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الْأَحْزَابِ : 23 ] . وَقِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَمَنْعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُكَالَمَتِهِمْ ، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمْ : حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [ التَّوْبَةِ : 118 ] . وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ عِنْدَ خَشْيَةِ الْعَنَتِ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ النِّسَاءِ : 25 ] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ قَدْ تَبْلُغُ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ ، وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعْتَادٌ ، وَمَشَقَّتُهُ فِي مِثْلِهَا مِمَّا يُعْتَادُ; إِذِ الْمَشَقَّةُ فِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ لَهَا طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ : طَرَفٌ أَعْلَى بِحَيْثُ لَوْ زَادَ شَيْئًا لَخَرَجَ عَنِ الْمُعْتَادِ ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْتَادًا ، وَطَرَفٌ أَدْنَى بِحَيْثُ لَوْ نَقَصَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَشَقَّةٌ تُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَوَاسِطَةٌ هِيَ الْغَالِبُ وَالْأَكْثَرُ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَثِيرٌ مِمَّا يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ عَارِفًا بِمَجَارِي الْعَادَاتِ وَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْمُعْتَادِ; لَمْ يَكُنْ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي رَفْعِهَا كَسَائِرِ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَادَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا رُخْصَةٌ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَوْضِعُ مُشْتَبَهًا فَيَكُونُ مَحَلًّا لِلْخِلَافِ . فَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [ التَّوْبَةِ : 41 ] ، ثُمَّ قَالَ : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ التَّوْبَةِ : 39 ] ; كَانَ هَذَا مَوْضِعَ شِدَّةٍ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا رُخْصَةَ أَصْلًا فِي التَّخَلُّفِ ، إِلَّا أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ مَحْمُولٌ عَلَى أَقْصَى الثِّقَلِ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ ، بِحَيْثُ يَتَأَتَّى النَّفِيرُ وَيُمْكِنُ الْخُرُوجُ ، وَقَدْ كَانَ اجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمْرَانِ : شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَبُعْدُ الشُّقَّةِ ، زَائِدًا عَلَى مُفَارَقَةِ الظِّلَالِ ، وَاسْتِدْرَارِ الْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ زَائِدٌ فِي مَشَقَّةِ الْغَزْوِ زِيَادَةً ظَاهِرَةً ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهَا عَنِ الْمُعْتَادِ; فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ; فَكَذَلِكَ أَشْبَاهُهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [ مُحَمَّدٍ : 31 ] . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الْحَجِّ : 78 ] ، إِنَّمَا ذَلِكَ سَعَةُ الْإِسْلَامِ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ . وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ; أَنَّهُ جَاءَ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَرَجِ; فَقَالَ : أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ ؟ فَسَأَلُوهُ ثَلَاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ ؟ ثُمَّ قَالَ : ادْعُ لِي رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ; فَقَالَ لَهُ : مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ ؟ قَالَ الْحَرَجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَلِكَ الْحَرَجُ مَا لَا مَخْرَجَ لَهُ . فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الْحَرَجَ مَا لَا مَخْرَجَ لَهُ ، وَفَسَّرَ رَفْعَهُ بِشَرْعِ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ ، وَأَصْلُ الْحَرَجِ الضِّيقُ ، فَمَا كَانَ مِنْ مُعْتَادَاتِ الْمَشَقَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادِ مِثْلُهَا; فَلَيْسَ بِحَرَجٍ لُغَةً وَلَا شَرْعًا ، كَيْفَ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحَرَجِ وُضِعَ لِحِكْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَهِيَ التَّمْحِيصُ وَالِاخْتِبَارُ حَتَّى يَظْهَرَ فِي الشَّاهِدِ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ فِي الْغَائِبِ; فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا مَا هُوَ مِنَ الْحَرَجِ مَقْصُودُ الرَّفْعِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَقْصُودِ الرَّفْعِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية