الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                        أحاديث الهداية كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ ( قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . رَحِمَهُ اللَّهُ : الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ بَاطِلَةٌ ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لُغَةً : مُفَاعَلَةٌ مِنْ " الزَّرْعِ " ، وَفِي الشَّرِيعَةِ : هِيَ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَا : هِيَ جَائِزَةٌ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ } ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ شَرِكَةٍ بَيْنَ الْمَالِ وَالْعَمَلِ ، فَيَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ فَإِنَّ ذَا الْمَالِ قَدْ لَا يَهْتَدِي إلَى الْعَمَلِ وَالْقَوِيُّ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ الْمَالَ ، أَلَيْسَتْ الْحَاجَةُ إلَى انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ دَفْعِ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَدُودِ الْقَزِّ مُعَامَلَةً بِنِصْفِ الزَّوَائِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ هُنَاكَ لِلْعَمَلِ فِي تَحْصِيلِهَا فَلَمْ تَتَحَقَّقْ شَرِكَةٌ . وَلَهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ }وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ ، وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ أَوْ مَعْدُومٌ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَمُعَامَلَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَهْلَ خَيْبَرَ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ بِطَرِيقِ الْمَنِّ وَالصُّلْحِ وَهُوَ جَائِزٌ ( وَإِذَا فَسَدَتْ عِنْدَهُ فَإِنْ سَقَى الْأَرْضَ وَكَرَبَهَا وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ ، وَالْخَارِجُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَلِلْآخَرِ الْأَجْرُ كَمَا فَصَّلْنَا إلَّا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَلِظُهُورِ تَعَامُلِ الْأُمَّةِ بِهَا ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ . نصب الراية كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ ، أَوْ زَرْعٍ }؛ قُلْتُ : أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ ، أَوْ زَرْعٍ } ، وَفِي لَفْظٍ : { لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا } ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " كِتَابِهِ " وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد فِي " الْبُيُوعِ " ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي " الْأَحْكَامِ " ، وَفِي لَفْظٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودَ مِنْهَا ، فَسَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوهُ عَمَلَهَا ، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا ، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إلَى تَيْمَاءَ وَأَرْيِحَاءَ }انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ الشُّرُوطِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إخْوَانِنَا النَّخْلَ ، قَالَ : لَا ، قَالَ . فَتَكْفُونَنَا الْمُؤْنَةَ ، وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ ، قَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }انْتَهَى . الْحَدِيثُ الثَّانِي : رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ }؛ قُلْتُ : رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ؛ وَمِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ . فَحَدِيثُ جَابِرٍ : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ ، وَالْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةِ }. قَالَ عَطَاءٌ : فَسَّرَهَا لَنَا جَابِرٌ ، قَالَ : أَمَّا الْمُخَابَرَةُ : فَالْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ ، فَيُنْفِقَ فِيهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الثَّمَرِ ، وَالْمُحَاقَلَةُ : بَيْعُ الزَّرْعِ الْقَائِمِ بِالْحَبِّ ، كَيْلًا ؛ وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ، كَيْلًا ، مُخْتَصَرٌ . وَحَدِيثُ رَافِعٍ : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا { عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنَّا نُخَابِرُ ، وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ، حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ ، فَتَرَكْنَاهُ }انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " التَّحْقِيقِ " : وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَجْلِ خُصُومَاتٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ ، بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ { عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى رَافِعٍ ، فَذَهَبْت مَعَهُ ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : نَهَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَدْ عَلِمْت أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عَلَى الْأَرْبِعَاءِ ، وَبِشَيْءٍ مِنْ التِّبْنِ }انْتَهَى . وَأَخْرَجَا أَيْضًا { عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، قَالَ : كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا ، كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ ، فَرُبَّمَا يُصَابُ ذَلِكَ ، وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ ، وَرُبَّمَا يَسْلَمُ ذَلِكَ ، وَتُصَابُ الْأَرْضُ ، فَنُهِينَا ، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ }انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : { قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ ، إنَّمَا أَتَى رَجُلَانِ قَدْ اقْتَتَلَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ ، فَسَمِعَ رَافِعٌ قَوْلَهُ : لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ }انْتَهَى . وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . الثَّانِي : أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ بِمَا يَخْرُجُ عَلَى الْأَرْبِعَاءِ ، وَهُوَ جَوَانِبُ الْأَنْهَارِ ، وَمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ ، وَذَلِكَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ وَلِهَذَا { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا }انْتَهَى كَلَامُهُ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَارَعَةِ فِي مُسْلِمٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ ، وَأَمَرَنَا بِالْمُؤَاجَرَةِ ، وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا }انْتَهَى .

                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                        الخدمات العلمية