الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَمَّا تَعَدُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ زَمَنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِيهِ مَا نَصُّهُ : " فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنُونَ ، وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ حِينَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَى أَنْ يَفْرَغُوا مِنَ الْأَذَانِ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ أَيْ كَانَ أَذَانُهُمْ كُلِّهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ . قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا وُجُودُ تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَكَانُوا زَمَنَ عُمَرَ ثَلَاثَةً وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُتَفَرِّقِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا ضِمْنَ كَلَامِهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ تَحْتَ عُنْوَانِ " الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " رِوَايَةً عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ فَخَطَبَ . ثُمَّ قَالَ : فَإِنَّهُ دَعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا مِنْ طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُهَا . ثُمَّ قَالَ : ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِي تَعْلِيقٍ لِسَمَاحَةِ رَئِيسِ الْجَامِعَةِ فِي الْحَاشِيَةِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي مَخْطُوطَةِ الرِّيَاضِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَوِ الْمُزَنِيِّ فَإِنَّ عَزْوَهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ وَابْنُ حَجَرٍ لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْأَثَرِ بِشَيْءٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبُوَيْطِيِّ : وَالنِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، يَكُونُ الْمُؤَذِّنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ الْأَذَانَ فَوْقَ الْمَنَارَةِ جُمْلَةً حِينِ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ; لِيَسْمَعَ النَّاسُ ، فَيَأْتُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ الْإِمَامُ بِهِمْ ، فَهَذَا أَيْضًا نَصُّ الشَّافِعِيِّ يَنْقُلُهُ النَّوَوِيُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَوْقَ الْمَنَارَةِ جُمْلَةً ، وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ ، قَبْلَ وَبَعْدَ الْوَقْتِ مَنْ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَفِي تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ الْمَرْضِيِّينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ فِي وَفْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَمَا ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْوَقْتِ مَنْ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ أَيْضًا وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ مَعَ أَثَرٍ فِيهِ نِقَاشٌ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ لِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَالْآتِي : أَوَّلًا : تَعَدُّدُ الْأَذَانِ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَطْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُتَعَدِّدَةِ الَّتِي مِنْهَا : " يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، أَيْ إِنَّ أَذَانَ بِلَالٍ قَبْلَ الْفَجْرِ يُحِلُّ الطَّعَامَ وَأَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ حِينَ يَحْرُمُ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَمْ يَكُنِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الزَّمَنِ ، فَفِي بَعْضِ الرِوَايَاتِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ : يُنَادِي بِلَيْلٍ ; لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ " . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : يُرِيدُ الْقَائِمَ الْمُتَهَجِّدَ إِلَى رَاحَتِهِ ; لِيَقُومَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ نَشِيطًا أَوْ يَتَسَحَّرُ ، إِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الصِّيَامِ ، وَيُوقِظَ النَّائِمَ ; لِيَتَأَهَّبَ لِلصَّلَاةِ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ ، فَالْأَوَّلُ يُشْعِرُ بِتَوَالِيهِمَا مَعَ فَرْقٍ يَسِيرٍ ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحُ السَّنَدِ . وَقَدْ فَسَّرَ هَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ بِقَوْلِهِ : قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ : إِنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ ، ثُمَّ يَرْقُبُ الْفَجْرَ ، فَإِذَا قَارَبَ طُلُوعُهُ نَزَلَ فَأَخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيَتَأَهَّبُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا ، ثُمَّ يَرْقَى وَيَشْرَعُ فِي الْأَذَانِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ إِلَى آخِرِهِ ، وَيُصَدِّقُهُ مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى فَلَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ ، وَهَذَا الْأَذَانُ الْأَوَّلُ لِلْفَجْرِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مَا عَدَا الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَحَمَلَ أَذَانَ بِلَالٍ عَلَى النِّدَاءِ بِغَيْرِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمَّا أَذَّنَ بِلَالٌ قَبْلَ الْوَقْتِ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيَقُولَ : إِلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ ، وَهَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لِلْأَحْنَافِ ، مَا نَصُّهُ : وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ لِلْفَجْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ ، قَالَ فِي الشَّرْحِ : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ : لِتَوَارُثِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، فَيَكُونُ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - قَدْ وَافَقَ الْجُمْهُورَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَإِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، وَقَدْ جَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ . وَجَاءَ نَصُّ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ فِي السُّدُسِ الْأَخِيرِ ، قَالَ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ : غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْوَقْتِ إِلَّا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَعْنَى مَا نَصُّهُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِلَى قَوْلِهِ : وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا . اهـ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية