الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ تَعَالَى الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا قَوْلُهُ : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، بَدَلٌ مِنَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الْمَدْحِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ . وَقَدْ أَثْنَى جَلَّ وَعَلَا عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ ، هِيَ أَدِلَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى عَظَمَتِهِ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ وَحْدَهُ لِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ : الْأَوَّلُ مِنْهَا : أَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي آيَاتٍ أُخَرَ . أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا : وَهُوَ أَنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْمَائِدَةِ " : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْآيَةَ [ 5 \ 40 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " النُّورِ " : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ 24 \ 42 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ الْآيَةَ [ 35 \ 13 ] وَجَمِيعُ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا جَلَّ وَعَلَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ ، فَالْمُلْكُ فِيهَا شَامِلٌ لِمُلْكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ الْآيَةَ [ 3 \ 26 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ الْآيَةَ [ 67 \ 1 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [ 40 \ 16 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الْآيَةَ [ 6 \ 73 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ 1 \ 4 ] وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ لَهُ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ كَثِيرَةٌ جَدًّا مَعْلُومَةٌ . وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي : وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [ 112 \ 3 - 4 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا الْآيَةَ [ 72 \ 3 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ الْآيَةَ [ 6 \ 101 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [ 19 \ 88 - 93 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [ 18 \ 4 - 5 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [ 17 \ 40 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ، إِلَى قَوْلِهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ 23 \ 91 ] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ " الْكَهْفِ " وَغَيْرِهَا . وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ : وَهُوَ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ " بَنِي إِسْرَائِيلَ " : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ الْآيَةَ [ 13 \ 111 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " سَبَأٍ " : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [ 34 \ 22 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [ 40 \ 16 ] ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ يَدُلُّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْمُلْكِ ، وَالْقَهْرِ ، وَاسْتِحْقَاقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ ، كَمَا لَا يَخْفَى ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ الرَّابِعُ : وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، فَقَدْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ 6 \ 101 - 102 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ 40 \ 62 - 63 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ الْخَامِسُ : وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ تَقْدِيرًا ، فَقَدْ جَاءَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [ 87 \ 2 - 3 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [ 13 \ 8 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [ 54 \ 49 ] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : تَقْدِيرُ الْأَشْيَاءِ هُوَ حَدُّهَا بِالْأَمْكِنَةِ ، وَالْأَزْمَانِ ، وَالْمَقَادِيرِ ، وَالْمَصْلَحَةِ ، وَالْإِتْقَانِ ، انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ أَبِي حَيَّانَ فِي " الْبَحْرِ " .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية