الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
1865 حدثنا يحيى بن موسى حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=16360عبد الرزاق عن nindex.php?page=showalam&ids=17124معمر عن nindex.php?page=showalam&ids=17257همام أنه سمع nindex.php?page=showalam&ids=3أبا هريرة رضي الله عنه nindex.php?page=hadith&LINKID=651830عن النبي صلى الله عليه وسلم قال nindex.php?page=treesubj&link=2486_30504_30505_31005إياكم والوصال مرتين قيل إنك تواصل قال إني أبيت يطعمني ربي ويسقين فاكلفوا من العمل ما تطيقون
قوله : ( حدثنا يحيى ) كذا للأكثر غير منسوب ، ولأبي ذر " حدثنا يحيى بن موسى " .
قوله : ( إياكم والوصال مرتين ) في رواية أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد : " nindex.php?page=hadith&LINKID=887063إياكم والوصال ، إياكم والوصال " فدل على أن قوله مرتين اختصار من nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري أو شيخه ، وأخرجه مالك عن nindex.php?page=showalam&ids=11863أبي الزناد عن nindex.php?page=showalam&ids=13724الأعرج عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة كما قال أحمد ، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي زرعة عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة بلفظ : " إياكم والوصال ثلاث مرات " وإسناده صحيح ، وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه بدون قوله : " ثلاث مرات " .
قوله : ( nindex.php?page=hadith&LINKID=887064إني أبيت يطعمني ربي ويسقين ) كذا في الطريقين عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة في هذا الباب ، وقد تقدم في الباب الذي قبله من رواية في حديث أنس بلفظ : " أظل " وكذا في حديث عائشة عند nindex.php?page=showalam&ids=13779الإسماعيلي ، وهي محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ ؛ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلا لا نهارا; وأكثر الروايات إنما هي " أبيت " وكأن بعض الرواة عبر عنها بـ " أظل " نظرا إلى اشتراكهما في مطلق الكون ، يقولون كثيرا : أضحى فلان كذا . مثلا ، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى ، ومنه قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=58وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا [ ص: 244 ] فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل ، وقد رواه أحمد nindex.php?page=showalam&ids=16000وسعيد بن منصور nindex.php?page=showalam&ids=12508وابن أبي شيبة كلهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة بلفظ : nindex.php?page=hadith&LINKID=887065إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني وكذلك رواه أحمد أيضا عن ابن نمير ، وأبو نعيم في " المستخرج " من طريق إبراهيم بن سعيد عن ابن نمير عن الأعمش ، وأخرجه أبو عوانة عن علي بن حرب عن أبي معاوية كذلك ، وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش كذلك ، ووقع لمسلم فيه شيء غريب ، فإنه أخرجه عن ابن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة ولفظ عمارة المذكور عنده : nindex.php?page=hadith&LINKID=887064إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني .
وقد عرفت أن رواية ابن نمير عند أحمد فيها : عند ربي وليس ذلك في شيء من الطرق عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة إلا في رواية أبي صالح ، ولم ينفرد بها الأعمش فقد أخرجها أحمد أيضا من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح ، ووقعت في حديث غير nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة ، وأخرجها nindex.php?page=showalam&ids=13779الإسماعيلي في حديث عائشة أيضا عن الحسن بن سفيان عن nindex.php?page=showalam&ids=16544عثمان بن أبي شيبة بسنده الماضي في الباب الذي قبل هذا بلفظ : nindex.php?page=hadith&LINKID=887066أظل عند الله يطعمني ويسقيني ، وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ : " عند ربي " ووقعت أيضا كذلك عند nindex.php?page=showalam&ids=16000سعيد بن منصور nindex.php?page=showalam&ids=12508وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ : " إني أبيت عند ربي " واختلف في معنى قوله : " يطعمني ويسقيني " فقيل : هو على حقيقته وأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه ، وتعقبه ابن بطال ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا ، وبأن قوله : " يظل " يدل على وقوع ذلك بالنهار ، فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما ، وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ " أبيت " دون أظل ، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ " أظل " على المجاز ، وعلى التنزل فلا يضر شيء من ذلك ؛ لأن nindex.php?page=treesubj&link=29398_21399ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره - صلى الله عليه وسلم - في طست الذهب ، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام .
وقال ابن المنير في الحاشية : الذي يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد ، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى ، وليس تعاطيه من جنس الأعمال ، وإنما هو من جنس الثواب ، كأكل أهل الجنة في الجنة ، والكرامة لا تبطل العبادة . وقال غيره : لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما ، ولا يلزم شيء مما تقدم ذكره ، بل الرواية الصحيحة : " أبيت " ، وأكله وشربه في الليل مما يؤتى به من الجنة ، لا يقطع وصاله ؛ خصوصية له بذلك ، فكأنه قال لما قيل له : " إنك تواصل " ، فقال : " إني لست في ذلك كهيئتكم " ، أي : على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله ، بل إنما يطعمني ربي ويسقيني ، ولا تنقطع بذلك مواصلتي ، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم ؛ صورة ومعنى . وقال الزين بن المنير : هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشبع والري بالأكل والشرب ، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ولا يبطل بذلك صومه ، ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره .
وحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه - صلى الله عليه وسلم - في أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية . وقال الجمهور : قوله : " يطعمني ويسقيني " مجاز عن لازم الطعام والشراب ، وهو القوة ، فكأنه قال : يعطيني قوة الآكل والشارب ، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ، ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس ، أو المعنى : إن الله [ ص: 245 ] يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عنش الطعام والشراب فلا يحس بجوع ولا عطش ، والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ ، وعلى الثاني يعطى القوة مع الشبع والري ، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ، ويفوت المقصود من الصيام والوصال ؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها .
قال القرطبي : ويبعده أيضا النظر إلى حاله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع . قلت : وتمسك nindex.php?page=showalam&ids=13053ابن حبان بظاهر الحال فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجوع ويشد الحجر على بطنه من الجوع ، قال : لأن الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا حتى يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ ثم قال : وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثم ادعى أن ذلك تصحيف ممن رواه ، وإنما هي الحجز ، بالزاي جمع حجزة . وقد أكثر الناس من الرد عليه في جميع ذلك ، وأبلغ ما يرد عليه به أنه أخرج في صحيحه من حديث ابن عباس قال : nindex.php?page=hadith&LINKID=887067خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال : ما أخرجكما؟ قالا : ما أخرجنا إلا الجوع . فقال : وأنا - والذي نفسي بيده - ما أخرجني إلا الجوع الحديث . فهذا الحديث يرد ما تمسك به . وأما قوله : وما يغني الحجر من الجوع؟ فجوابه أنه يقيم الصلب ؛ لأن البطن إذا خلا ربما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه ، فإذا ربط عليه الحجر اشتد وقوي صاحبه على القيام ، حتى قال بعض من وقع له ذلك : كنت أظن الرجلين يحملان البطن ، فإذا البطن يحمل الرجلين . ويحتمل أن يكون المراد بقوله : " يطعمني ويسقيني " أي : يشغلني بالتفكر في عظمته ، والتملي بمشاهدته ، والتغذي بمعارفه ، وقرة العين بمحبته ، والاستغراق في مناجاته ، والإقبال عليه عن الطعام والشراب . وإلى هذا جنح ابن القيم وقال : قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ، ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه ، الذي قرت عينه بمحبوبه .
قوله : ( اكلفوا ) بسكون الكاف وضم اللام [1] أي : احملوا المشقة في ذلك ، يقال : كلفت بكذا ، إذا ولعت به ، وحكى عياض أن بعضهم قاله بهمزة قطع وكسر اللام ، قال : ولا يصح لغة .
قوله : ( بما تطيقون ) في رواية أحمد : " بما لكم به طاقة " وكذا لمسلم من طريق nindex.php?page=showalam&ids=11863أبي الزناد عن nindex.php?page=showalam&ids=13724الأعرج .