الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب إِذَا بَاتَ طَاهِرًا وَفَضْلِهِ 5952 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ مَنْصُورًا عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ لَا وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فتح الباري لابن حجر 9435 قَوْلُهُ بَابُ إِذَا بَاتَ طَاهِرًا ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ " وَفَضْلُهُ " وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِهِ مِنْهَا حَدِيثُ مُعَاذٍ رَفَعَهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ وَطَهَارَةٍ فَيَتَعَارُّ مِنَ اللَّيْلِ فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ مَنْ بَاتَ طَاهِرًا بَاتَ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ فَلَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فُلَانٍ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَطِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوْلُهُ : مُعْتَمَرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمَرِ . قَوْلُهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ) كَذَا قَالَ الْأَكْثَرُ وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ فَقَالَ " عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ " زَادَ فِي الْإِسْنَادِ الْحَكَمُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَدْ سَأَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَبَاهُ فَقَالَ هَذَا خَطَأٌ لَيْسَ فِيهِ الْحَكَمُ . قُلْتُ فَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ قَوْلُهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَسَقَطَ لَفْظُ " لِي " مِنْ رِوَايَةِ الْبَاقِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ " أَمَرَ رَجُلًا " وَفِي أُخْرَى لَهُ " أَوْصَى رَجُلًا " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْآتِيَةِ كِتَابُ التَّوْحِيدِ عَنِ الْبَرَاءِ " قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ " الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ " قَوْلُهُ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ أَيْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَضْطَجِعَ وَوَقَعَ صَرِيحًا كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَذْكُورَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ : إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ وَأَنْتَ طَاهِرٌ فَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ الْحَدِيثُ نَحْوُ حَدِيثِ الْبَابِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ وَلَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ آخَرَ سَأُشِيرُ إِلَيْهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ الْبَرَاءُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ " مَنْ تَكَلَّمَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يَأْخُذُ جَنْبَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ " فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ الْأَمْرُ فِيهِ لِلنَّدَبِ وَلَهُ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنْ يَبِيتَ عَلَى طَهَارَةٍ لِئَلَّا يَبْغَتَهُ الْمَوْتُ فَيَكُونُ عَلَى هَيْئَةٍ كَامِلَةٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ النَّدْبُ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ بِطَهَارَةِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَبِيتَنَّ إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ تُبْعَثُ عَلَى مَا قُبِضَتْ عَلَيْهِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَبَا يَحْيَى الْقَتَّاتَ هُوَ صَدُوقٌ فِيهِ كَلَامٌ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِرَايَةَ الْعِجْلِيِّ قَالَ مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا وَنَامَ ذَاكِرًا كَانَ فِرَاشُهُ مَسْجِدًا وَكَانَ فِي صَلَاةٍ وَذِكْرٍ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ نَحْوَهُ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ وَلَا سِيَّمَا الْجُنُبُ وَهُوَ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ وَقَدْ يَكُونُ مُنَشِّطًا لِلْغُسْلِ فَيَبِيتُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ عِنْدَ النَّوْمِ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيِ الْجَانِبِ وَخَصَّ الْأَيْمَنَ لِفَوَائِدَ مِنْهَا أَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى الِانْتِبَاهِ وَمِنْهَا أَنَّ الْقَلْبَ مُتَعَلِّقٌ إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ فَلَا يَثْقُلُ بِالنَّوْمِ وَمِنْهَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذِهِ الْهَيْئَةُ نَصَّ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّهَا أَصْلَحُ لِلْبَدَنِ قَالُوا يَبْدَأُ بِالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ سَاعَةً ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى الْأَيْسَرِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَبَبٌ لِانْحِدَارِ الطَّعَامِ وَالنَّوْمُ عَلَى الْيَسَارِ يَهْضِمُ لِاشْتِمَالِ الْكَبِدِ عَلَى الْمَعِدَةِ ( تَنْبِيه ) : هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَرَاءِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ الْحَدِيثَ فَيُسْتَفَادُ مَشْرُوعِيَّةُ هَذَا الذِّكْرِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ فِعْلِهِ وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ " ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ " وَوَقَعَ عِنْدَ الْخَرَائِطِيِّ فِي " مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكِي وَإِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ إِلَيْكَ وَجَّهْتُ وَجْهِي الْحَدِيثَ قَوْلُهُ وَقُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي زَيْدٍ وَلِغَيْرِهِمَا " أَسْلَمْتُ نَفْسِي قِيلَ الْوَجْهُ وَالنَّفْسُ هُنَا بِمَعْنَى الذَّاتِ وَالشَّخْصِ أَيْ أَسْلَمْتُ ذَاتِي وَشَخْصِي لَكَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ وَلَفْظُهُ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ " وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَادَ خَصْلَةً رَابِعَةً وَلَفْظُهُ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الذَّاتُ وَبِالْوَجْهِ الْقَصْدُ وَأَبْدَى الْقُرْطُبِيُّ هَذَا احْتِمَالًا بَعْدَ جَزْمِهِ بِالْأَوَّلِ قَوْلُهُ ( أَسْلَمْت ) أَيِ اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ وَالْمَعْنَى جَعَلْتُ نَفْسِي مُنْقَادَةً لَكَ تَابِعَةً لِحُكْمِكَ إِذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا وَلَا عَلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهَا إِلَيْهَا وَلَا دَفْعِ مَا يَضُرُّهَا عَنْهَا وَقَوْلُهُ " وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ " أَيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْكَ فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَقَوْلُهُ : وَأَلْجَأْتُ " أَيِ اعْتَمَدْتُ فِي أُمُورِي عَلَيْكَ لِتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنْفَعُنِي لِأَنَّ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيْءٍ تَقَوَّى بِهِ وَاسْتَعَانَ بِهِ وَخَصَّهُ بِالظَّهْرِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْتَمِدُ بِظَهْرِهِ إِلَى مَا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ " أَيْ رَغْبَةً فِي رَفْدِكَ وَثَوَابِكَ " وَرَهْبَةً " أَيْ خَوْفًا مِنْ غَضَبِكَ وَمِنْ عِقَابِكَ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : أَسْقَطَ " مِنْ " مَعَ ذِكْرِ الرَّهْبَةِ وَأَعْمَلَ " إِلَى " مَعَ ذِكْرِ الرَّغْبَةِ وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ " وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا " وَالْعُيُونُ لَا تُزَجَّجُ لَكِنْ لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي نَظْمٍ حَمَلَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي اللَّفْظِ وَكَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ " مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا " . قُلْتُ وَلَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِإِثْبَاتِ " مِنْ " وَلَفْظُهُ " رَهْبَةً مِنْكَ وَرَغْبَةً إِلَيْكَ " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَأَ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ أَصْلُ مَلْجَأٍ بِالْهَمْزِ وَمَنْجَى بِغَيْرِ هَمْزٍ وَلَكِنْ لَمَّا جُمِعَا جَازَ أَنْ يُهْمَزَا لِلِازْدِوَاجِ وَأَنْ يُتْرَكَ الْهَمْزُ فِيهِمَا وَأَنْ يُهْمَزَ الْمَهْمُوزُ وَيُتْرَكَ الْآخَرُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ مَعَ الْقَصْرِ فَتَصِيرُ خَمْسَةً قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَانِ اللَّفْظَانِ إِنْ كَانَا مَصْدَرَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فِي " مِنْكَ " وَإِنْ كَانَا ظَرْفَيْنِ فَلَا إِذِ اسْمُ الْمَكَانِ لَا يَعْمَلُ وَتَقْدِيرُهُ لَا مَلْجَأَ مِنْكَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا إِلَيْكَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِي نَظْمِ هَذَا الذِّكْرِ عَجَائِبُ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْمُتْقِنُ مِنْ أَهْلِ الْبَيَانِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " أَسْلَمْتُ نَفْسِي " إِلَى أَنَّ جَوَارِحَهُ مُنْقَادَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَبِقَوْلِهِ " وَجَّهْتُ وَجْهِي " إِلَى أَنَّ ذَاتَهُ مُخْلِصَةٌ لَهُ بَرِيئَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ، وَبِقَوْلِهِ " فَوَّضْتُ أَمْرِي " إِلَى أَنَّ أُمُورَهُ الْخَارِجَةَ وَالدَّاخِلَةَ مُفَوَّضَةٌ إِلَيْهِ لَا مُدَبِّرَ لَهَا غَيْرُهُ ، وَبِقَوْلِهِ " أَلْجَأْتُ ظَهْرِي " إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ التَّفْوِيضِ يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا قَالَ : وَقَوْلُهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ أَيْ فَوَّضْتُ أُمُورِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً قَوْلُهُ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقُرْآنَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ اسْمَ الْجِنْسِ فَيَشْمَلُ كُلَّ كِتَابٍ أُنْزِلَ قَوْلُهُ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ " أَرْسَلْتَهُ وَأَنْزَلْتَهُ " فِي الْأَوَّلِ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ فِيهِمَا قَوْلُهُ فَإِنْ مَتَّ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ " مِنْ لَيْلَتِكَ " وَفِي رِوَايَةِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ " مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ " قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْسَلِخَ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ تَحْتَهُ أَوِ الْمَعْنَى بِالتَّحْتِ أَيْ مُتَّ تَحْتَ نَازِلٍ يَنْزِلُ عَلَيْكَ فِي لَيْلَتِكَ وَكَذَا مَعْنَى " مِنْ " فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَيْ مِنْ أَجْلِ مَا يَحْدُثُ فِي لَيْلَتِكَ وَقَوْلُهُ " عَلَى الْفِطْرَةِ " أَيْ عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَقَالَ عَنْهُ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَجَمَاعَةٌ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ هُنَا دِينُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " كَذَا قَالَ الشُّيُوخُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَعَانِي الَّتِي ذُكِرَتْ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ كَمَنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَأَيْنَ فَائِدَةُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَةِ وَتِلْكَ الْمَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَإِنْ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ فَبَيْنَ الْفِطْرَتَيْنِ مَا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَفِطْرَةُ الْأَوَّلِ فِطْرَةُ الْمُقَرَّبِينَ وَفِطْرَةُ الثَّانِي فِطْرَةُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . قُلْتُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي آخِرِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ بَدَلَ قَوْلِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ " بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ " وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ : " وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا " وَكَذَا لِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : " فَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ وَقَدْ أَصَبْتَ خَيْرًا " وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ وَلَفْظُهُ : وَإِنْ أَصْبَحَ أَصَابَ خَيْرًا " أَيْ صَلَاحًا فِي الْمَالِ وَزِيَادَةً فِي الْأَعْمَالِ قَوْلُهُ ( فَقُلْت ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا " فَجَعَلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ " أَيْ أَتَحَفَّظهُنَّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوُضُوءِ " فَرَدَّدْتُهَا " أَيْ رَدَّدْتُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ لِأَحْفَظَهُنَّ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ " فَرَدَّدْتُهُنَّ لِأَسْتَذْكِرَهُنَّ " قَوْلُهُ وَبِرَسُولِكِ الَّذِي أَرْسَلْتَ قَالَ : لَا وَبِنَبِيِّكِ الَّذِي أَرْسَلْتَ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ " فَقَالَ قُلْ وَبِنَبِيِّكَ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يُجِزْ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، فَإِنَّ لَفْظَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ مُخْتَلِفَانِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ مِنَ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ فَالنَّبِيُّ فِي الْعُرْفِ هُوَ الْمُنَبَّأُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ بِأَمْرٍ يَقْتَضِي تَكْلِيفًا وَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ رَسُولٌ وَإِلَّا فَهُوَ نَبِيٌّ غَيْرُ رَسُولٍ وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ بِلَا عَكْسٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ وَالرَّسُولَ اشْتَرَكَا فِي أَمْرٍ عَامٍّ وَهُوَ النَّبَأُ وَافْتَرَقَا فِي الرِّسَالَةِ فَإِذَا قُلْتَ فُلَانٌ رَسُولٌ تَضَمَّنَ أَنَّهُ نَبِيٌّ رَسُولٌ وَإِذَا قُلْتَ فُلَانٌ نَبِيٌّ لَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنَّهُ رَسُولٌ فَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ حَتَّى يُفْهَمَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ النُّطْقُ مَا وُضِعَ لَهُ وَلِيَخْرُجَ عَمَّا يَكُونُ شِبْهَ التَّكْرَارِ فِي اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ " وَرَسُولِكَ " فَقَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ فَإِذَا قَالَ " الَّذِي أَرْسَلْتَ " صَارَ كَالْحَشْوِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ " فَلَا تَكْرَارَ فِيهِ لَا مُتَحَقِّقًا وَلَا مُتَوَهَّمًا انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَوْلُهُ صَارَ كَالْحَشْوِ مُتَعَقَّبٌ لِثُبُوتِهِ فِي أَفْصَحِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ : - تَعَالَى - وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ - إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَمِنْ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ " وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ " فِي هَذَا الْمَقَامِ أَفْيَدُ مِنْ قَوْلِهِ وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ لِمَا ذُكِرَ وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ مُقَيَّدٌ بِالرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُ الرَّسُولِ كَمَا فِي اللَّفْظِ هُنَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَكَ كَجِبْرِيلَ مَثَلًا فَيَظْهَرُ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَعَيُّنُ الْبَشَرِيِّ دُونَ الْمَلَكِ فَيَخْلُصُ الْكَلَامُ مِنَ اللَّبْسِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ اللَّفْظَانِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ وَالرَّسُولَ مُتَغَايِرَانِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَلَا يَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ . قِيلَ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا نَظَرٌ وَخُصُوصًا إِبْدَالَ الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ وَعَكْسَهُ إِذَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الذَّاتَ الْمُحَدِّثَ عَنْهَا وَاحِدَةٌ فَالْمُرَادُ يُفْهَمُ بِأَيِّ صِفَةٍ وُصِفَ بِهَا الْمَوْصُوفُ إِذَا ثَبَتَتِ الصِّفَةُ لَهُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ قَدْ يُظَنُّ يُوفِي بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا عُهِدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَالِاحْتِيَاطُ الْإِتْيَانُ بِاللَّفْظِ فَعَلَى هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ بِالْقَطْعِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَّحِدٌ لَمْ يَضُرَّ بِخِلَافِ مَا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الظَّنِّ وَلَوْ كَانَ غَالِبًا وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي رَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ قَالَ الرَّسُولَ بَدَلَ النَّبِيِّ أَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَهَا خَصَائِصُ وَأَسْرَارٌ لَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ فَتَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمَازِرِيِّ قَالَ فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ بِحُرُوفِهِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ وَلَعَلَّهُ أَوْحَى إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَيَتَعَيَّنُ أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي الْحَدِيثِ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَاهَا الْوُضُوءُ عِنْدَ النَّوْمِ وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا كَفَاهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ ثَانِيهَا النَّوْمُ عَلَى الْيَمِينِ . ثَالِثُهَا الْخَتْمُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْإِيمَانِ بِكُلِّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ إِجْمَالًا مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ وَالنَّبَوِيَّاتِ وَعَلَى إِسْنَادِ الْكُلِّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ لِذِكْرِ الْوَجْهِ وَالنَّفْسِ وَالْأَمْرِ وَإِسْنَادِ الظَّهْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَهَذَا كُلُّهُ بِحَسَبِ الْمَعَاشِ وَعَلَى الِاعْتِرَافِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ خَيْرًا وَشَرًّا وَهَذَا بِحَسَبِ الْمَعَادِ ( تَنْبِيه ) : وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ " آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ " وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي آخِرِهِ فَرَوَى بِالْمَعْنَى وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ نَظِيرُ مَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَفِي آخِرِهِ " قَالَ الْبَرَاءُ : فَقُلْتُ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَطَعَنَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ . وَكَذَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَفْظُهُ " فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صَدْرِي " نَعَمْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِذَا اضْطَجَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ " فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ وَفِي آخِرِهِ " أُؤْمِنُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرُسُلِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ " هَكَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَالسِّرُّ فِيهِ حُصُولُ التَّعْمِيمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ صَرِيحًا فَدَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ فَأُمِنَ اللَّبْسُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية