الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( 26 ) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 27 ) ) قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) قَالَ : هُوَ نَمْرُودُ الَّذِي بَنَى الصَّرْحَ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَوَّلُ جَبَّارٍ كَانَ فِي الْأَرْضِ نَمْرُودُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً ، فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِرِهِ ، فَمَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالْمَطَارِقِ ، وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ فَضَرَبَ بِهِمَا رَأْسَهُ ، وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ ، ثُمَّ أَمَاتَهُ اللَّهُ . وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ بُخْتُنَصَّرُ . وَذَكَرُوا مِنَ الْمَكْرِ الَّذِي حَكَى اللَّهُ هَاهُنَا ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ : ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 46 ] . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا مِنْ بَابِ الْمَثَلِ ؛ لِإِبْطَالِ مَا صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَأَشْرَكُوا فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ ، كَمَا قَالَ نُوحٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) [ نُوحٍ : 22 ] أَيِ : احْتَالُوا فِي إِضْلَالِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ ، كَمَا يَقُولُ لَهُمْ أَتْبَاعُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ) [ الْآيَةَ ] [ سَبَأٍ : 33 ] . وَقَوْلُهُ : ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ) أَيِ : اجْتَثَّهُ مِنْ أَصْلِهِ ، وَأَبْطَلَ عَمَلَهُمْ ، وَأَصْلَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ) [ الْمَائِدَةِ : 64 ] . وَقَوْلُهُ : ( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) [ الْحَشْرِ : 2 ] . وَقَالَ هَاهُنَا : ( فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ) أَيْ : يُظْهِرُ فَضَائِحَهُمْ ، وَمَا كَانَتْ تُجِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ ، فَيَجْعَلُهُ عَلَانِيَةً ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) [ الطَّارِقِ : 9 ] أَيْ : تَظْهَرُ وَتَشْتَهِرُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، فَيُقَالُ : هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ " . وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ ، يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مَا كَانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الْمَكْرِ ، وَيُخْزِيهِمُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ، وَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُقَرِّعًا لَهُمْ وَمُوَبِّخًا : ( أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) تُحَارِبُونَ وَتُعَادُونَ فِي سَبِيلِهِمْ [ أَيْ ] : أَيْنَ هُمْ عَنْ نَصْرِكُمْ وَخَلَاصِكُمْ هَاهُنَا ؟ ( هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 93 ] ( فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ) [ الطَّارِقِ : 10 ] . فَإِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمُ الدَّلَالَةُ ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ ، وَأُسْكِتُوا عَنِ الِاعْتِذَارِ حِينَ لَا فِرَارَ ( قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) - وَهُمُ السَّادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمُخْبِرُونَ عَنِ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَيَقُولُونَ حِينَئِذٍ : ( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ) أَيِ : الْفَضِيحَةَ وَالْعَذَابَ الْيَوْمَ [ مُحِيطٌ ] بِمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، وَأَشْرَكَ بِهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية