الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 ) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) ) . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ ، فَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ . ( مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ) أَيْ : بَلْ هُوَ الْمَالِكُ لِأَزِمَّةِ الْأُمُورِ ، الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَلَا وَلِيَّ لِخَلْقِهِ سِوَاهُ ، وَلَا شَفِيعَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ . ( أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) يَعْنِي : أَيُّهَا الْعَابِدُونَ غَيْرَهُ ، الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى مَنْ عَدَاهُ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ أَوْ شَرِيكٌ أَوْ نَدِيدٌ ، أَوْ وَزِيرٌ أَوْ عَدِيلٌ ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ . وَقَدْ أَوْرَدَ النَّسَائِيُّ هَاهُنَا حَدِيثًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ، حَدَّثَنَا الْأَخْضَرُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي جُرَيْجٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، فَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَخَلَقَهُ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، بِأَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا ، وَطِيبِّهَا وَخَبِيثِهَا ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ مَنْ بَنِي آدَمَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ " . هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إِسْنَادًا وَمَتْنًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالنِّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ . وَقَدْ عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " التَّارِيخِ الْكَبِيرِ " فَقَالَ : " وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ أَصَحُّ " ، وَكَذَا عَلَّلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) أَيْ : يَتَنَزَّلُ أَمْرُهُ مِنْ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) [ الطَّلَاقِ : 12 ] . وَتُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى دِيوَانِهَا فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَمَسَافَةُ مَا بَيَّنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ [ مَسِيرَةُ ] خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، وَسُمْكُ السَّمَاءِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ : النُّزُولُ مِنَ الْمَلَكِ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، وَصُعُودُهُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ، وَلَكِنَّهُ يَقْطَعُهَا فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) . ( ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) أَيِ : الْمُدَبِّرُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِ عِبَادِهِ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ جَلِيلُهَا وَحَقِيرُهَا ، وَصَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا - هُوَ ) الْعَزِيزُ ) الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ ، وَدَانَتْ لَهُ الْعِبَادُ وَالرِّقَابُ ، ( الرَّحِيمُ ) بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . فَهُوَ عَزِيزٌ فِي رَحْمَتِهِ ، رَحِيمٌ فِي عِزَّتِهِ [ وَهَذَا هُوَ الْكَمَالُ : الْعِزَّةُ مَعَ الرَّحْمَةِ ، وَالرَّحْمَةُ مَعَ الْعِزَّةِ ، فَهُوَ رَحِيمٌ بِلَا ذُلٍّ ] .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية