الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فِيهِ ثَمَانُ مَسَائِلَ : الْأُولَى : قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ( إِذْ ) زَائِدَةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ : التَّقْدِيرُ : اذْكُرْ إِذْ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْمَعْنَى وَاصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ . وَهِيَ حَنَّةُ ( بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ) بِنْتُ فَاقْوَدَ بْنِ قُنْبُلَ أُمُّ مَرْيَمَ جَدَّةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَرَبِيٍّ وَلَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِيَّةِ حَنَّةُ اسْمُ امْرَأَةٍ . وَفِي الْعَرَبِيَّةِ أَبُو حَنَّةَ الْبَدْرِيُّ ، وَيُقَالُ فِيهِ : أَبُو حَبَّةَ ( بِالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ ) وَهُوَ أَصَحُّ ، وَاسْمُهُ عَامِرٌ ، وَدَيْرُ حَنَّةَ بِالشَّامِ ، وَدَيْرٌ آخَرُ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ كَذَلِكَ ; قَالَ أَبُو نُوَاسٍ : يَا دَيْرُ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الْأُكَيْرَاحِ مَنْ يَصْحُ عَنْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي وَحَبَّةُ فِي الْعَرَبِ كَثِيرٌ ، مِنْهُمْ أَبُو حَبَّةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ حَبَّةُ ، وَلَا يُعْرَفُ خَنَّةُ بِالْخَاءِ الْمَعْجَمَةِ إِلَّا بِنْتُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ الْقَاضِي ، وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَلَا يُعْرَفُ جَنَّةُ ( بِالْجِيمِ ) إِلَّا أَبُو جَنَّةَ ، وَهُوَ خَالُ ذِي الرُّمَّةِ الشَّاعِرِ . كُلُّ هَذَا مِنْ كِتَابِ ابْنِ مَاكُولَا . الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا تَقَدَّمَ مَعْنَى النَّذْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ إِلَّا بِأَنْ يُلْزِمَهُ نَفْسَهُ . وَيُقَالُ : إِنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ قَالَتْ : لَئِنْ نَجَّانِي اللَّهُ وَوَضَعْتُ مَا فِي بَطْنِي لَجَعَلْتُهُ مُحَرَّرًا . وَمَعْنَى لَكَ أَيْ لِعِبَادَتِكَ . مُحَرَّرًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ ، وَقِيلَ : نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي غُلَامًا مُحَرَّرًا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ التَّفْسِيرِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ وَالْإِعْرَابِ : أَمَّا الْإِعْرَابُ فَإِنَّ إِقَامَةَ النَّعْتِ مَقَامَ الْمَنْعُوتِ لَا يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْمَجَازِ فِي أُخْرَى ، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَقِيلَ إِنَّ سَبَبَ قَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَلِدُ ، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ ، وَإِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَبَصُرَتْ بِطَائِرٍ يَزُقُّ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُهَا لِذَلِكَ ، وَدَعَتْ رَبَّهَا أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا ، وَنَذَرَتْ إِنْ وَلَدَتْ أَنْ تَجْعَلَ وَلَدَهَا مُحَرَّرًا : أَيْ عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ، خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ حَبِيسًا عَلَيْهَا ، مُفَرَّغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ ، وَكَانَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُمْ . فَلَمَّا وَضَعَتْ مَرْيَمَ قَالَتْ : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى يَعْنِي أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ . قِيلَ لِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى . وَقِيلَ : لَا تَصْلُحُ لِمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ . وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلِذَلِكَ حُرِّرَتِ . الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَا خِلَافَ أَنَّ امْرَأَةَ عِمْرَانَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَى حَمْلِهَا نَذْرٌ لِكَوْنِهَا حُرَّةً ، فَلَوْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ أَمَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَصِحُّ لَهُ نَذْرٌ فِي وَلَدِهِ وَكَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ حَالُهُ ; فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاذِرُ عَبْدًا فَلَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ ; وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مِثْلُهُ ; فَأَيُّ وَجْهٍ لِلنَّذْرِ فِيهِ ؟ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَرْءَ إِنَّمَا يُرِيدُ وَلَدَهُ لِلْأُنْسِ بِهِ وَالِاسْتِنْصَارِ وَالتَّسَلِّي ، فَطَلَبَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ أُنْسًا بِهِ وَسُكُونًا إِلَيْهِ ; فَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِهِ نَذَرَتْ أَنَّ حَظَّهَا مِنَ الْأُنْسِ بِهِ مَتْرُوكٌ فِيهِ ، وَهُوَ عَلَى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفٌ ، وَهَذَا نَذْرُ الْأَحْرَارِ مِنَ الْأَبْرَارِ . وَأَرَادَتْ بِهِ مُحَرَّرًا مِنْ جِهَتِي ، مُحَرَّرًا مِنْ رِقِّ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا ; وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ لِأُمِّهِ : يَا أُمَّهْ : ذَرِينِي لِلَّهِ أَتَعَبَّدُ لَهُ وَأَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ ، فَقَالَتْ : نَعَمْ . فَسَارَ حَتَّى تَبَصَّرَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَدَقَّ الْبَابَ ، فَقَالَتْ مَنْ ؟ فَقَالَ لَهَا : ابْنُكِ فُلَانٌ ، قَالَتْ : قَدْ تَرَكْنَاكَ لِلَّهِ وَلَا نَعُودُ فِيكَ . الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : مُحَرَّرًا مَأْخُوذٌ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْعُبُودِيَّةِ ; مِنْ هَذَا تَحْرِيرُ الْكِتَابِ ، وَهُوَ تَخْلِيصُهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالْفَسَادِ . وَرَوَى خَصِيفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ : أَنَّ الْمُحَرَّرَ الْخَالِصُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا . وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ مَا خَلَصَ : حُرٌّ ، وَمُحَرَّرٌ بِمَعْنَاهُ ; قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : وَالْقُرْطُ فِي حُرَّةِ الذِّفْرَى مُعَلَّقُهُ تَبَاعَدَ الْحَبْلُ مِنْهُ فَهُوَ يَضْطَرِبُ وَطِينٌ حُرٌّ لَا رَمْلَ فِيهِ ، وَبَاتَتْ فُلَانَةُ بِلَيْلَةٍ حُرَّةٍ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا زَوْجُهَا أَوَّلَ لَيْلَةٍ ; فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا فَهِيَ بِلَيْلَةٍ شَيْبَاءَ . الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا قَالَتْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْبَلُ فِي النَّذْرِ إِلَّا الذُّكُورَ ، فَقَبِلَ اللَّهُ مَرْيَمَ . وَ أُنْثَى حَالٌ ، وَإِنْ شِئْتَ بَدَلٌ . فَقِيلَ : إِنَّهَا رَبَّتْهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا ; رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : وَقِيلَ : لَفَّتْهَا فِي خِرْقَتِهَا وَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَوَفَّتْ بِنَذْرِهَا وَتَبَرَّأَتْ مِنْهَا . وَلَعَلَّ الْحِجَابَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ; فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَاتَتْ . الْحَدِيثَ . السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ هُوَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَضَعَتْ " بِضَمِ التَّاءِ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهَا ; فَالْكَلَامُ مُتَّصِلٌ . وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عَامِرٍ ، وَفِيهَا مَعْنَى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّنْزِيهِ لَهُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَمْ تَقُلْهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَدْ تَقَرَّرَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ وَالتَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى . وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُدِّمَ ، وَتَقْدِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا بَعْدَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ; قَالَ الْمَهْدَوِيُّ . وَقَالَ مَكِّيٌّ : هُوَ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا عَلَى طَرِيقِ التَّثْبِيتِ فَقَالَ : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ أُمُّ مَرْيَمَ قَالَتْهُ أَوْ لَمْ تَقُلْهُ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِ أُمِّ مَرْيَمَ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ : وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ ; لِأَنَّهَا نَادَتْهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهَا : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( بِمَا وَضَعْتِ ) بِكَسْرِ التَّاءِ ، أَيْ قِيلَ لَهَا هَذَا . السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُطَاوِعَةَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَطْءِ لَا تُسَاوِيهِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَةٌ ، فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ، وَهَذِهِ الصَّالِحَةُ إِنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَدُ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ حَالِهَا وَمَقْطَعُ كَلَامِهَا ، فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَةَ الْمَسْجِدِ فِي وَلَدِهَا ، فَلَمَّا رَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ وَأَنَّهَا عَوْرَةٌ اعْتَذَرَتْ إِلَى رَبِّهَا مِنْ وُجُودِهَا لَهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا . وَلَمْ يَنْصَرِفْ ( مَرْيَمُ ) لِأَنَّهُ مُؤَنَّثٌ مَعْرِفَةٌ ، وَهُوَ أَيْضًا أَعْجَمِيٌّ ; قَالَهُ النَّحَّاسُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ يَعْنِي خَادِمَ الرَّبِّ فِي لُغَتِهِمْ . وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ يَعْنِي مَرْيَمَ . وَذُرِّيَّتَهَا يَعْنِي عِيسَى . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْوَلَدِ خَاصَّةً . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَجَابَ دُعَاءَ أُمِّ مَرْيَمَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُ جَمِيعَ وَلَدِ آدَمَ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا . قَالَ قَتَادَةُ : كُلُّ مَوْلُودٍ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى وَأُمِّهِ جُعِلَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فَأَصَابَتِ الطَّعْنَةُ الْحِجَابَ وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُمَا مِنْهُ شَيْءٌ ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْخُصُوصِيَّةُ بِهِمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ نَخْسَ الشَّيْطَانِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِضْلَالُ الْمَمْسُوسِ وَإِغْوَاؤُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ فَاسِدٌ ; فَكَمْ تَعَرَّضَ الشَّيْطَانُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ بِأَنْوَاعِ الْإِفْسَادِ وَالْإِغْوَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ مِمَّا يَرُومُهُ الشَّيْطَانُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ . هَذَا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ ; كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرْيَمُ وَابْنُهَا وَإِنْ عُصِمَا مِنْ نَخْسِهِ فَلَمْ يُعْصَمَا مِنْ مُلَازَمَتِهِ لَهُمَا وَمُقَارَنَتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية