الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ الدَّأْبُ الْعَادَةُ وَالشَّأْنُ . وَدَأَبَ الرَّجُلُ فِي عَمَلِهِ يَدْأَبُ دَأَبًا وَدُؤُوبًا إِذَا جَدَّ وَاجْتَهَدَ ، وَأَدْأَبْتُهُ أَنَا . وَأَدْأَبَ بَعِيرَهُ إِذَا جَهِدَهُ فِي السَّيْرِ . وَالدَّائِبَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : وَسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ " كَدَأَبِ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَقَالَ لِي وَأَنَا غُلَيِّمٌ : عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ " كَدَأَبِ " ؟ فَقُلْتُ لَهُ : أَظُنُّهُ مِنْ دَئِبَ يَدْأَبُ دَأَبًا . فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي وَتَعَجَّبَ مِنْ جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلَى صِغَرِي ; وَلَا أَدْرِي أَيُقَالُ أَمْ لَا . قَالَ النَّحَّاسُ : " وَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ ، لَا يُقَالُ أَلْبَتَّةَ دَئِبَ ; وَإِنَّمَا يُقَالُ : دَأَبَ يَدْأَبُ دُؤُوبًا وَدَأْبًا ; هَكَذَا حَكَى النَّحْوِيُّونَ ، مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ حَكَاهُ فِي كِتَابِ الْمَصَادِرِ ; كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : كَدَأْبِكِ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ فَأَمَّا الدَّأَبُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ; كَمَا يُقَالُ : شَعْرٌ وَشَعَرٌ وَنَهْرٌ وَنَهَرٌ ; لِأَنَّ فِيهِ حَرْفًا مِنْ " حُرُوفِ الْحَلْقِ " . وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَافِ ; فَقِيلَ : هِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ، أَيْ صَنِيعُ الْكُفَّارِ مَعَكَ كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسَى . وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْمَعْنَى : كَفَرَتِ الْعَرَبُ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ . قَالَ النَّحَّاسُ : لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ مُتَعَلِّقَةً بِكَفَرُوا ، لِأَنَّ " كَفَرُوا " دَاخِلَةٌ فِي الصِّلَةِ . وَقِيلَ : هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ أَخَذَهُمُ اللَّهُ ، أَيْ أَخَذَهُمْ أَخْذًا كَمَا أَخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ . وَقِيلَ : هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ; أَيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ كَمَا لَمْ تُغْنِ الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ . وَهَذَا جَوَابٌ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجِهَادِ وَقَالَ : شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا . وَيَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِنْ لَفْظِ الْوَقُودِ ، وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي نَفْسِ الِاحْتِرَاقِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أَيْ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ . يَقُولُ : اعْتَادَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ الْإِلْحَادَ وَالْإِعْنَاتَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اعْتَادَ آلُ فِرْعَوْنَ مِنْ إِعْنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ; وَقَالَ مَعْنَاهُ الْأَزْهَرِيُّ . فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ ( الْأَنْفَالِ ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فَالْمَعْنَى جُوزِيَ هَؤُلَاءِ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ كَمَا جُوزِيَ آلُ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ وَالْهَلَاكِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : بِآيَاتِنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْآيَاتِ الْمَنْصُوبَةَ لِلدِّلَالَةِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ . فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية