الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ . قَوْلُهُ تَعَالَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ نِفَاقٌ وَشَكٌّ ، يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ . أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ الْأَضْغَانُ : مَا يُضْمَرُ مِنَ الْمَكْرُوهِ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ السُّدِّيُّ : غِشَّهُمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَسَدَهُمْ . وَقَالَ قُطْرُبٌ : عَدَاوَتَهُمْ ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ : قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ مَا أَرَدْتُ بِمَنْطِقٍ سَاءَ الصَّدِيقَ وَشَيَّدَ الْأَضْغَانَا وَقِيلَ : أَحْقَادُهُمْ . وَاحِدُهَا ضِغْنٌ . قَالَ : وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ : وَإِنَّ الضِّغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَفْشُو عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الضِّغْنُ وَالضَّغِينَةُ : الْحِقْدُ . وَقَدْ ضَغِنَ عَلَيْهِ ( بِالْكَسْرِ ) ضِغْنًا . وَتَضَاغَنَ الْقَوْمُ وَاضْطَغَنُوا : أَبْطَنُوا عَلَى الْأَحْقَادِ . وَاضْطَغَنْتَ الصَّبِيَّ إِذَا أَخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ . وَأَنْشَدَ الْأَحْمَرُ : كَأَنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا أَيْ : حَامِلُهُ فِي حِجْرِهِ . وَقَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ : إِذَا اضْطَغَنْتُ سِلَاحِي عِنْدَ مَغْرِضِهَا وَمِرْفَقٍ كَرِئَاسِ السَّيْفِ إِذْ شَسَفَا وَفَرَسٌ ضَاغِنٌ : لَا يُعْطِي مَا عِنْدَهُ مِنَ الْجَرْيِ إِلَّا بِالضَّرْبِ . وَالْمَعْنَى : أَمْ حَسِبُوا أَنْ لَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ عَدَاوَتَهُمْ وَحِقْدَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ . وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ أَيْ لَعَرَّفْنَاكَهُمْ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي سُورَةِ ( التَّوْبَةِ ) تَقُولُ الْعَرَبُ : سَأُرِيكَ مَا أَصْنَعُ ، أَيْ : سَأُعْلِمُكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ أَيْ : بِمَا أَعْلَمَكَ . فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ . قَالَ أَنَسٌ مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، كَانَ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ . وَقَدْ كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَفِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَشُكُّ فِيهِمُ النَّاسُ ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ وَعَلَى جَبْهَةِ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ ( هَذَا مُنَافِقٌ ) فَذَلِكَ سِيمَاهُمْ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قَدَّرَ اللَّهُ إِظْهَارَهُمْ وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ، فَحُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ وَنَكَحُوا وَأُنْكِحُوا بِهَا . وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أَيْ فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَخَيْرُ الْكَلَامِ مَا كَانَ لَحْنًا أَيْ : مَا عُرِفَ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يُصَرَّحْ بِهِ . مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ فِي الْإِعْرَابِ ، وَهُوَ الذَّهَابُ عَنِ الصَّوَابِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ أَيْ : أَذْهَبُ بِهَا فِي الْجَوَابِ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَصْرِيفِ الْكَلَامِ . أَبُو زَيْدٍ : لَحَنْتُ لَهُ ( بِالْفَتْحِ ) أَلْحَنُ لَحْنًا إِذَا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ . وَلَحِنَهُ هُوَ عَنِّي ( بِالْكَسْرِ ) يَلْحَنُهُ لَحْنًا أَيْ : فَهِمَهُ . وَأَلْحَنْتُهُ أَنَا إِيَّاهُ ، وَلَاحَنْتُ النَّاسَ فَاطَنْتُهُمْ ، قَالَ الْفَزَارِيُّ : وَحَدِيثٍ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا يُرِيدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ وَهِيَ تُرِيدُ غَيْرَهُ ، وَتُعَرِّضُ فِي حَدِيثِهَا فَتُزِيلُهُ عَنْ جِهَتِهِ مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَقَالَ الْقَتَّالُ الْكِلَابِيُّ : وَلَقَدْ وَحَيْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا وَلَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَقَالَ مَرَّارٌ الْأَسَدِيُّ : وَلَحَنْتُ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ وَرَابَنِي صُدُودُكِ تُرْضِينَ الْوُشَاةَ الْأَعَادِيَا قَالَ الْكَلْبِيُّ : فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ نُزُولِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَافِقٌ إِلَّا عَرَفَهُ . وَقِيلَ : كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُخَاطِبُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَلَامٍ تَوَاضَعُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ الْمُعْتَادِ ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، فَكَانَ بَعْدَ هَذَا يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ إِذَا سَمِعَ كَلَامَهُمْ . قَالَ أَنَسٌ : فَلَمْ يَخْفَ مُنَافِقٌ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، عَرَّفَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ عَلَامَةٍ عَرَفَهَا بِتَعْرِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية