الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ مَفْعُولَانِ . وَالْخَلَائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آخِرَ " الْأَنْعَامِ " أَيْ جَعَلْنَاكُمْ سُكَّانًا فِي الْأَرْضِ . مِنْ بَعْدِهِمْ أَيْ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الْمُهْلَكَةِ . لِنَنْظُرَ نُصِبَ بِلَامِ كَيْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظَائِرُهُ وَأَمْثَالُهُ ; أَيْ لِيَقَعَ مِنْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ ، وَلَمْ يَزَلْ يَعْلَمُهُ غَيْبًا . وَقِيلَ : يُعَامِلُكُمْ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِ إِظْهَارًا لِلْعَدْلِ . وَقِيلَ : النَّظَرُ رَاجِعٌ إِلَى الرُّسُلِ ; أَيْ لِيَنْظُرَ رُسُلُنَا وَأَوْلِيَاؤُنَا كَيْفَ أَعْمَالُكُمْ . وَكَيْفَ نُصِبَ بِقَوْلِهِ : تَعْمَلُونَ : لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ . قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا تُتْلَى تُقْرَأُ ، وَبَيِّنَاتٍ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ وَاضِحَاتٍ لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا إِشْكَالَ . قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا يَعْنِي لَا يَخَافُونَ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَلَا يَرْجُونَ الثَّوَابَ . قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ . ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ وَالْإِتْيَانِ بِغَيْرِهِ أَنَّ تَبْدِيلَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ، وَالْإِتْيَانَ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ ; وَفِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يُحَوِّلَ الْوَعْدَ وَعِيدًا وَالْوَعِيدَ وَعْدًا ، وَالْحَلَالَ حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا ; قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . الثَّانِي : سَأَلُوهُ أَنْ يُسْقِطَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ ; قَالَهُ ابْنُ عِيسَى . الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ إِسْقَاطَ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ; قَالَهُ الزَّجَّاجُ . الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ مَا كَانَ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَمِنْ عِنْدِي ، كَمَا لَيْسَ لِي أَنْ أَلْقَاهُ بِالرَّدِّ وَالتَّكْذِيبِ . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ أَيْ لَا أَتَّبِعُ إِلَّا مَا أَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ ، وَتَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ ، وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَمْنَعُنَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ ; فَإِنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِي طَلَبِ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَ الْقُرْآنِ نَظْمًا ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ تَبْدِيلَ الْحُكْمِ دُونَ اللَّفْظِ ; وَلِأَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ وَحْيًا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، بَلْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى . الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أَيْ إِنْ خَالَفْتُ فِي تَبْدِيلِهِ وَتَغْيِيرِهِ أَوْ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ . عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية