الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ : قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ بِتَنْوِينِ عُزَيْرٌ . وَالْمَعْنَى أَنَّ " ابْنًا " عَلَى هَذَا خَبَرُ ابْتِدَاءٍ عَنْ ( عُزَيْرٌ ) ، وَ " عُزَيْرٌ " يَنْصَرِفُ عَجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ ( عُزَيْرُ ابْنُ ) بِتَرْكِ التَّنْوِينِ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ " . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشِّعْرِ . وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ : لَتَجِدَنِّي بِالْأَمِيرِ بَرَّا وَبِالْقَنَاةِ مِدْعَسًا مِكَرَّا إِذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى وَقَالَتِ الْيَهُودُ هَذَا لَفْظٌ خَرَجَ عَلَى الْعُمُومِ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ ؛ لِأَنَّ لَيْسَ كُلُّ الْيَهُودِ قَالُوا ذَلِكَ . وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كُلُّ النَّاسِ . وَقِيلَ : إِنَّ قَائِلَ مَا حُكِيَ عَنِ الْيَهُودِ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ، قَالُوهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ النَّقَّاشُ : لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ يَقُولُهَا بَلِ انْقَرَضُوا فَإِذَا قَالَهَا وَاحِدٌ فَيَتَوَجَّهُ أَنْ تَلْزَمَ الْجَمَاعَةَ شُنْعَةُ الْمَقَالَةِ ، لِأَجْلِ نَبَاهَةِ الْقَائِلِ فِيهِمْ . وَأَقْوَالُ النُّبَهَاءِ أَبَدًا مَشْهُورَةٌ فِي النَّاسِ يُحْتَجُّ بِهَا . فَمِنْ هَاهُنَا صَحَّ أَنْ تَقُولَ الْجَمَاعَةُ قَوْلَ نَبِيهِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التَّوْرَاةَ وَمَحَاهَا مِنْ قُلُوبِهِمْ ، فَخَرَجَ عُزَيْرٌ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ قَالَ : أَطْلُبُ الْعِلْمَ ، فَعَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ كُلَّهَا فَجَاءَ عُزَيْرٌ بِالتَّوْرَاةِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعَلَّمَهُمْ . وَقِيلَ : بَلْ حَفَّظَهَا اللَّهُ عُزَيْرًا كَرَامَةً مِنْهُ لَهُ ، فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَفَّظَنِي التَّوْرَاةَ ، فَجَعَلُوا يَدْرُسُونَهَا مِنْ عِنْدِهِ . وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ مَدْفُونَةً ، كَانَ دَفَنَهَا عُلَمَاؤُهُمْ حِينَ أَصَابَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ وَالْجَلَاءِ وَالْمَرَضِ مَا أَصَابَ وَقَتْلِ بُخْتَنَصَّرَ إِيَّاهُمْ . ثُمَّ إِنَّ التَّوْرَاةَ الْمَدْفُونَةَ وُجِدَتْ فَإِذَا هِيَ مُتَسَاوِيَةٌ لِمَا كَانَ عُزَيْرٌ يُدَرِّسُ فَضَلُّوا عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِعُزَيْرٍ إِلَّا وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ . وَظَاهِرُ قَوْلِ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَرَادُوا بُنُوَّةَ النَّسْلِ كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِي الْمَلَائِكَةِ . وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَالطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا . وَهَذَا أَشْنَعُ الْكُفْرِ . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي : أَطْبَقَتِ النَّصَارَى عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ إِلَهٌ وَأَنَّهُ ابْنُ إِلَهٍ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَيُقَالُ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَعْتَقِدُهَا بُنُوَّةَ حُنُوٍّ وَرَحْمَةٍ . وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا لَا يَحِلُّ أَنْ تُطْلَقَ الْبُنُوَّةُ عَلَيْهِ وَهُوَ كُفْرٌ . الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِي هَذَا دَلِيلٌ مِنْ قَوْلِ رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِ غَيْرِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطِقُ بِهِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعْظَامِ لَهُ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ وَلَوْ شَاءَ رَبُّنَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ ، فَإِذَا مَكَّنَ مِنْ إِطْلَاقِ الْأَلْسُنِ بِهِ فَقَدْ أَذِنَ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ عَلَى مَعْنَى إِنْكَارِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ . الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ قِيلَ : مَعْنَاهُ التَّأْكِيدُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَقَوْلُهُ : وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وَقَوْلُهُ : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلٌ سَاذَجٌ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ وَلَا بُرْهَانٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ بِالْفَمِ مُجَرَّدٌ نَفْسِ دَعْوَى لَا مَعْنَى تَحْتَهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا ، فَهُوَ كَذِبٌ وَقَوْلٌ لِسَانِيٌّ فَقَطْ ، بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُعَضِّدُهَا الْأَدِلَّةُ وَيَقُومُ عَلَيْهَا الْبُرْهَانُ . قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي : إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلًا مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْأَفْوَاهِ وَالْأَلْسُنِ إِلَّا وَكَانَ قَوْلًا زُورًا ، كَقَوْلِهِ : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا وَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ . الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ( يُضَاهِئُونَ ) يُشَابِهُونَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : امْرَأَةٌ ضَهْيَأٌ لِلَّتِي لَا تَحِيضُ أَوِ الَّتِي لَا ثَدْيَ لَهَا ، كَأَنَّهَا أَشْبَهَتِ الرِّجَالَ . وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ( قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَوْلُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ : اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ الثَّالِثَةُ الْأُخْرَى . الثَّانِي : قَوْلُ الْكَفَرَةِ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ . الثَّالِثُ : قَوْلُ أَسْلَافِهِمْ ، فَقَلَّدُوهُمْ فِي الْبَاطِلِ وَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ . السَّادِسَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي " ضَهْيَأٍ " هَلْ يُمَدُّ أَوْ لَا ، فَقَالَ ابْنُ وَلَّادٍ : امْرَأَةٌ ضَهْيَأٌ ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَحِيضُ ، مَهْمُوزٌ غَيْرُ مَمْدُودٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُدُّ وَهُوَ سِيبَوَيْهِ فَيَجْعَلُهَا عَلَى فَعَلَاءَ بِالْمَدِّ ، وَالْهَمْزَةُ فِيهَا زَائِدَةٌ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ نِسَاءٌ ضُهْيٌ فَيَحْذِفُونَ الْهَمْزَةَ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ لِي النَّجِيرَمِيُّ : ضَهْيَأَةٌ بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ . جَمَعَ بَيْنَ عَلَامَتَيْ تَأْنِيثٍ ، حَكَاهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ فِي النَّوَادِرِ . وَأَنْشَدَ : ضَهْيَأَةٌ أَوْ عَاقِرُ جَمَادٍ ابْنُ عَطِيَّةَ : مَنْ قَالَ يُضَاهِئُونَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ ، فَقَوْلُهُ خَطَأٌ ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي " ضَاهَأَ " أَصْلِيَّةٌ ، وَفِي " ضَهْيَاءَ " زَائِدَةٌ كَحَمْرَاءَ . السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أَيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؛ لِأَنَّ الْمَلْعُونَ كَالْمَقْتُولِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ هُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ قَتْلٌ فَهُوَ لَعْنٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ : قَاتَلَهَا اللَّهُ تَلْحَانِي وَقَدْ عَلِمَتْ أَنِّي لِنَفْسِي إِفْسَادِي وَإِصْلَاحِي وَحَكَى النَّقَّاشُ أَنَّ أَصْلَ " قَاتَلَ اللَّهُ " الدُّعَاءُ ، ثُمَّ كَثُرَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ حَتَّى قَالُوهُ عَلَى التَّعَجُّبِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الدُّعَاءَ . وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ : يَا قَاتَلَ اللَّهُ لَيْلَى كَيْفَ تُعْجِبُنِي وَأُخْبِرُ النَّاسَ أَنِّي لَا أُبَالِيهَا

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية