الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْأُولَى : قَوْلُهُ تَعَالَى وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ فِيهِ مَحْذُوفٌ ، أَيْ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ مَنَازِلَ . تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا أَيْ تَبْنُونَ الْقُصُورَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ . وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا اتَّخَذُوا الْبُيُوتَ فِي الْجِبَالِ لِطُولِ أَعْمَارِهِمْ ; فَإِنَّ السُّقُوفَ وَالْأَبْنِيَةَ كَانَتْ تَبْلَى قَبْلَ فَنَاءِ أَعْمَارِهِمْ . وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ . وَفِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ ; فَلِذَلِكَ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ . الثَّانِيَةُ : اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ أَجَازَ الْبِنَاءَ الرَّفِيعَ كَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا ، وَبِقَوْلِهِ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ . ذُكِرَ أَنَّ ابْنًا لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بَنَى دَارًا وَأَنْفَقَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا ; فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ بِنَاءً يَنْفَعُهُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ . وَمِنْ آثَارِ النِّعْمَةِ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ ، وَالثِّيَابُ الْحَسَنَةُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً جَمِيلَةً بِمَالٍ عَظِيمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقَدْ يَكْفِيهِ دُونَ ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ . وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا أَهْلَكَ مَالَهُ فِي الطِّينِ وَاللَّبِنِ . وَفِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ . قُلْتُ : بِهَذَا أَقُولُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّ خَلَفَهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَا كَانَ فِي بُنْيَانٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ . رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَخَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ : بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ . الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ أَيْ نِعَمَهُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ مَضَى فِي " آلِ عِمْرَانَ " الْقَوْلُ فِيهِ . وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَةِ " وَالْعِثِيُّ وَالْعُثُوُّ لُغَتَانِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ ( تِعْثَوْا ) بِكَسْرِ التَّاءِ أَخَذَهُ مِنْ عَثِيَ يَعْثَى لَا مِنْ عَثَا يَعْثُو .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية