الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ ؟ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْآمِرَ هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ . حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ " وَنَصَّ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ ، وَكَذَا نَصَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَقَالَ : الْقَوْلُ بِالدُّخُولِ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ، وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ : قَالَ : لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَأْمُورَ غَيْرُهُ . وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيرِ النِّزَاعِ فَنَقُولُ : لَهُ حَالَاتٌ : إحْدَاهَا : أَنْ يَقُولَ لِنَفْسِهِ : " افْعَلِي " مُرِيدًا ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ وَهَلْ يُسَمَّى حَسَنًا أَمْ لَا ؟ قَالَ الْهِنْدِيُّ : الْحَقُّ : الْمَنْعُ ; إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَهَلْ يُسَمَّى أَمْرًا ؟ إنْ شَرَطْنَا الْعُلُوَّ أَوْ الِاسْتِعْلَاءَ امْتَنَعَ ، وَإِنْ لَمْ نَشْرِطْهُ ، فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مُعْتَبَرَةٌ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هَاهُنَا ، فَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا سُمِّيَ بِهِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . الثَّانِيَةُ : أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بِهِ لَا يَتَنَاوَلُهُ ، فَلَا يَدْخُلُ الْآمِرُ تَحْتَهُ قَطْعًا سَوَاءٌ أَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَخْبَرَ بِالْأَمْرِ عَنْ غَيْرِهِ . الثَّالِثَةُ : أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ مُتَنَاوِلٍ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ الْغَيْرِ . قَالَ الْهِنْدِيُّ : فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ كَمَا إذَا تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرِ نَفْسِهِ ، كَقَوْلِهِ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " أَوْ " يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ افْعَلُوا كَذَا " فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ . وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى دُخُولِهِ نَظَرًا إلَى عُمُومِ اللَّفْظِ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ أَمْرًا لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لَهُ ، وَلِهَذَا دَخَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ آخَرَ . كَذَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَسَيَأْتِي فِي الْعُمُومِ ، لَكِنَّ الْأَكْثَرِينَ - وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ " الْمُعْتَزِلِيُّ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْآمِرَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ إذَا أَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ بِالْأَمْرِ عَنْ غَيْرِهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأُمَّتِهِ : ( إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِصَوْمِ يَوْمٍ ) فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : وَالصَّحِيحُ : دُخُولُهُ . قَالَ : وَأَمَّا الْمُخْبِرُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، كَقَوْلِهِ : مَنْ قَعَدَ فِي الْمَطَرِ ابْتَلَّ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ عَبَثٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْبِرًا لِغَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَكَلَامُ الْهِنْدِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَبَرَ مَحَلُّ وِفَاقٍ ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ } قَالَ : وَلِهَذَا قِيلَ : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَمَرْتَبَتُهُ كَوْنُهُ مُخَاطِبًا لَا يَخُصُّهُ ، وَكَذَا فِي الْأَمْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِمَزِيدِ تَتِمَّةٍ فِي بَابِ الْعُمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية