الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      [ اعْتِرَاضٌ عَلَى حَدِّ الْأَمْرِ ] لَمَّا أَخَذُوا الطَّلَبَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الطَّلَبَ أَخْفَى مِنْ الْأَمْرِ ، وَالتَّعْرِيفُ بِالْأَخْفَى يَمْتَنِعُ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : الطَّلَبُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ بِالْبَدِيهَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَطَلَبِ التَّرْكِ ، ثُمَّ قَالُوا : مَعْنَى الطَّلَبِ هُوَ غَيْرُ الصِّيغَةِ لِاتِّحَادِهِ وَاخْتِلَافِهَا وَتَبَدُّلِهِ وَثُبُوتِهَا ، بَلْ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ يَجْرِي مَجْرَى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ ، وَهَذِهِ الصِّيَغُ الْمَخْصُوصَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ : الْأُولَى : أَنَّ دَلَالَةَ صِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى الطَّلَبِ يَكْفِي فِيهَا الْوَضْعُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ مُرِيدًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاخْتَارَهُ الْكَعْبِيُّ . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ وَتَبِعَهُمَا الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ . وَأَبُو الْحُسَيْنِ : لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ إرَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ ، وَحَكَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْعُيُونِ " عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالُوا : لَا يَنْفَكُّ الْأَمْرُ عَنْ الْإِرَادَةِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الصِّيغَةَ كَمَا تَرِدُ لِلطَّلَبِ تَرِدُ لِلتَّهْدِيدِ مَعَ خُلُوِّهِ عَنْ الطَّلَبِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُمَيِّزٍ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مُمَيِّزَ سِوَى الْإِرَادَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّمْيِيزَ حَاصِلٌ بِدُونِهَا ; لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ حَقِيقِيَّةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ ، وَهَذَا كَافٍ فِي التَّمْيِيزِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا إلَّا بِالْإِرَادَةِ فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ إرَادَتُهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ تُعْتَبَرُ إرَادَةُ الْأَمْرِ أَوْ إرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ ؟ فَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ إرَادَةَ الْأَمْرِ الْمَنْطُوقِ بِهِ ، وَاعْتَبَرَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إرَادَةَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِرَادَةِ وَلَيْسَتْ الْإِرَادَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْأَمْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعَ الْأَمْرِ فَيُسْتَدَلُّ بِالْأَمْرِ عَلَى الْإِرَادَةِ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِالْإِرَادَةِ عَلَى الْأَمْرِ . وَقَدْ حَرَّرَ ابْنُ بَرْهَانٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْأَوْسَطِ " : اعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ لِمَصِيرِ الصِّيغَةِ أَمْرًا ثَلَاثَ إرَادَاتٍ : إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ مُرِيدًا لِإِيجَادِ الصِّيغَةِ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَهَا بِأَنْ يَكُونَ سَاهِيًا أَوْ ذَاهِلًا أَوْ نَائِمًا لَا تَكُونُ الصِّيغَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ أَمْرًا . وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِصَرْفِ صِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْأَمْرِ إلَى جِهَةِ الْأَمْرِ . فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى جِهَاتٍ كَالتَّعْجِيزِ وَالتَّكْوِينِ وَالْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ وَغَيْرِهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِصَرْفِ الصِّيغَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ إلَى جِهَةِ الْأَمْرِ وَعَبَّرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ : فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا بِالصِّيغَةِ مَا هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ . وَالثَّالِثَةُ : هِيَ إرَادَةُ فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالِامْتِثَالِ ، فَأَمَّا الْأُولَى ، وَهِيَ إرَادَةُ إيجَادِ الصِّيغَةِ فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهَا

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية