الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      جزء صفحة
                                                      [ " الْعِلْمُ الْحَادِثُ " ] وَإِمَّا حَادِثٌ ، وَيَنْقَسِمُ إلَى ضَرُورِيٍّ وَإِلَى نَظَرِيٍّ ; لِأَنَّهُ إنْ كَفَى مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ فِي الْجَزْمِ بِهِ فَضَرُورِيٌّ ، وَإِلَّا فَنَظَرِيٌّ ، وَلَا خِلَافَ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ " فِي انْقِسَامِ التَّصْدِيقِ إلَيْهِمَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّصَوُّرِ ،فَقِيلَ : لَيْسَ مِنْهُ كَسْبِيٌّ ، بَلْ جَمِيعُ التَّصَوُّرَاتِ لَا تُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ . وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَصَّلِ " ، فَقَالَ : إنَّ التَّصَوُّرَاتِ كُلَّهَا بَدِيهِيَّةٌ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يَنْقَسِمُ إلَى الْكَسْبِيِّ وَالْبَدِيهِيِّ . قِيلَ : وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ بُطْلَانُهُ ; لِأَنَّهُ يَكَادُ يَكُونُ مِنْ قِسْمَيْ الضَّرُورِيِّ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَدِيهِيَّةً لَمَا وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا طَالِبَةً لِتَصَوُّرِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ ، وَلَمَا طَلَبَتْ أَيْضًا حُدُوثَ الْعَالَمِ ، أَوْ إمْكَانَهُ ، وَلَمَا اخْتَلَفَتْ الْعُقَلَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ ، لَا جَرَمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَافَقَ الْجُمْهُورَ . فَالتَّصَوُّرُ الْبَدِيهِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ ، وَالنَّظَرِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْمَلَكِ وَالرُّوحِ ، وَالتَّصْدِيقُ الْبَدِيهِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَالنَّظَرِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ " : قِيلَ : الضَّرُورِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَكٌّ . وَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ الَّذِي لَا يَقَعُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْلِيِّ مِنْهُ أَمَّا الْحِسِّيُّ فَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسَاتِ . وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الْحِسِّيُّ سَمْعًا فَهُوَ الْمُتَوَاتِرَاتُ . وَإِلَّا فَالتَّجْرِيبَاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ . وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالتَّجْرِبَةُ مَرَّاتٍ . وَصَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ جَلِيَّةٌ ، وَأَنَّ النَّظَرَ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ غَيْرَ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ لَمَّا انْقَسَمَتْ إلَى مَهْجُومٍ عَلَيْهِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى ، وَإِلَى مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فِكْرٍ سَمَّى أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ ضَرُورِيًّا وَالْآخَرَ نَظَرِيًّا . قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ ثُمَّ الضَّرُورِيُّ يَقَعُ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقًا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا النَّظَرِيُّ فَعِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ مَقْدُورٌ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ . وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّهَا مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اكْتِسَابٌ . قَالَ : وَهَذَا الَّذِي كُنَّا سَمِعْنَاهُ قَدِيمًا مِنْ مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ ; لِأَنَّ مَنْ تَمَّمَ نَظَرَهُ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ شَاءَ أَوْ أَبَى ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُكْتَسَبًا لَهُ لَتَوَقَّفَ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ " : ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ ، وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعُلُومَ الْحَادِثَةَ بِأَسْرِهَا ضَرُورِيَّةٌ . وَإِنَّمَا الْمَقْدُورُ طَلَبُهَا بِالنَّظَرِ الْمُفْضِي إلَيْهَا ، فَإِذَا تَمَّ النَّظَرُ وَانْدَفَعَ عَنْ مَرَاسِمِهِ أَضْدَادُ الْعِلْمِ بِالْمَنْظُورِ فِيهِ حَصَلَ الْعِلْمُ لَا مَحَالَةَ مِنْ غَيْرِ إيثَارٍ ، وَدَرْكُ اقْتِدَارِهِ ، وَهُوَ بِالْقُدْرَةِ ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُلُومَ الَّتِي تَعْقُبُ النَّظَرَ تَقَعُ وُقُوعَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ ، فَقَدْ ظَنَّ أَمْرًا بَعِيدًا . ثُمَّ إنَّ الْأُسْتَاذَ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَجُوزُ فَرْضُ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ نَظَرٍ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَرَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْظُرْ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُوجِبِ إيثَارِ الْمُتَّصِفِ بِهَا ، وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ سَدِيدٍ . وَتَحَصَّلَ لَنَا مَذَاهِبُ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ تَصَوُّرُهَا وَتَصْدِيقُهَا ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا بِإِنْكَارِ النَّظَرِ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ إذَا تَمَّ وَقَعَ الْعِلْمُ عَقِبَهُ ضَرُورَةً لَا مَقْدُورًا . الثَّانِي : كُلُّهَا كَسْبِيَّةٌ . الثَّالِثُ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ، بَعْضُهَا ضَرُورِيٌّ ، وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ . الرَّابِعُ : الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَبِالِاعْتِقَادَاتِ الصَّحِيحَةِ ضَرُورِيٌّ ، وَغَيْرُهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُثَابٌ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ . الْخَامِسُ : التَّصَوُّرَاتُ ضَرُورِيَّةٌ ، وَالتَّصْدِيقَاتُ مُنْقَسِمَةٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ فِي الْمُحَصَّلِ " ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا أُورِدَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ : إنَّ الْمَعْرِفَةَ ضَرُورِيَّةٌ ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ . وَاتَّفَقَتْ الْأَشَاعِرَةُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ نَظَرِيًّا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ ضَرُورِيًّا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا خَلْقُ الْمَقْدُورِ بِدُونِ الْقُدْرَةِ ، وَلَا امْتِنَاعَ مِنْهُ ; لِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ عِنْدَنَا . قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ : وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مِنْ طَرِيقِ الْإِمْكَانِ ، وَأَمَّا طَرِيقُ الْوُجُودِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مُكْتَسَبَةٌ لَا تَقَعُ إلَّا عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ ، وَإِنَّمَا تَقَعُ فِي الْآخِرَةِ ضَرُورِيَّةً وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ مَقْدُورًا مُكْتَسَبًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ ؟ . فَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ . وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الضَّرُورِيُّ نَظَرِيًّا ؟ . فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يَتِمُّ الْعَقْلُ إلَّا بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ نَظَرِيًّا ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ يَجُوزُ .

                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                      الخدمات العلمية