الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 5229 4 - بَابٌ: مَا يُشْتَهَى مِنَ اللَّحْمِ يَوْمَ النَّحْرِ 5549 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ: "مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ -وَذَكَرَ جِيرَانَهُ- وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لا، ثُمَّ انْكَفَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا. أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا. [اُنْظُرْ: 954 - مُسْلِمٍ: 1962 - فَتْحَ: 10 \ 6] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ: "مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ". فَقَامَ رَجُلٌ ... الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ انْكَفَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا. أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا. الشَّرْحُ: فِيهِ فَوَائِدُ: الْأُولَى: أَنَّ مَنِ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا قَبْلَ وَقْتِهِ فَعُقُوبَتُهُ أَنْ يُمْنَعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ، وَهَذَا أَبُو بُرْدَةَ اسْتَعْجَلَ الذَّبْحَ قَبْلَ وَقْتِهِ فَحُرِمَ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَلَوْلَا أَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ حَاجَةً وَمَشَقَّةً أَرَادَ إِطْعَامَهُمْ وَسَدَّ جَوْعَهُمْ وَخُلَّتَهُمْ لَمَا عَذَرَهُ الشَّارِعُ وَجَوَّزَ لَهُ الضَّحِيَّةَ بِجَذَعَةٍ مِنَ الْمَعْزِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: "وَلَنْ تَجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ يُمْكِنُ بِأَنْ يُتَأَوَّلَ مِنْهُ مَعْنَى اخْتِصَاصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ بِإِجَازَةِ الْجَذَعَةِ إِلَّا مَا ذَكَرَ مِنْ حَاجَةِ جِيرَانِهِ وَجُوعِهِمْ. ثَانِيهَا: أَنَّ مَنِ اشْتَهَى اللَّحْمَ يَوْمَ النَّحْرِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ لَقِيَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حَمَّالُ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الْآيَةُ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [الْأَحْقَافِ: 20] لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مَخْصُوصٌ بِأَكْلِ اللَّحْمِ وَالِالْتِذَاذِ بِالْحَلَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الْحَجِّ: 28]. وَأَمَّا فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّحْرِ فَأَكْلُهُ مُبَاحٌ إِلَّا أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى أَكْلِهِ دَائِمًا، وَسَتَأْتِي سِيرَتُهُمْ فِي أَكْلِهِمْ وَأَخْذِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْأَطْعِمَةِ. ثَالِثُهَا: مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ مُوَاسَاتِهِمْ لِجِيرَانِهِمْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَتَرْكِ الِاسْتِئْثَارِ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى حِرْصَ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى تَعْجِيلِ الذَّبْحِ مِنْ أَجْلِ خَلَّةِ جِيرَانِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّفْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ أَمْ لَا. رَابِعُهَا: قَوْلُ أَنَسٍ: (لَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا)، قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ كَمَا سَلَفَ. وَقَوْلُهُ: (فَتَوَزَّعُوهَا) أَوْ قَالَ: (فَتَجَزَّعُوهَا)، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الرَّاوِي. وَمَعْنَى (تَجَزَّعُوهَا): اقْتَسَمُوهَا; لِأَنَّهُ مِنَ الْجَزْعِ وَهُوَ الْقَطْعُ. وَعِبَارَةُ ابْنِ التِّينِ قَالَ: هُوَ مِثْلُ يُوَزِّعُوهَا. قَالَ صَاحِبُ "الْعَيْنِ": الْجَزْعُ: الْقَطْعُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ; لِأَنَّ تَجَزَّعُوهَا اقْتَسَمُوهَا قِطَعًا . وَالْجَزْعَةُ: الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَيُقَالُ: الْبَقِيَّةُ مِنْهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جَزَعْتُ الْوَادِيَ: قَطَعْتُهُ . وَكَذَا عِبَارَةُ الْهَرَوِيِّ فِي "غَرِيبَيْهِ" فَجَزَعُوهَا: اقْتَسَمُوهَا، وَأَصْلُهَا مِنَ الْجَزْعِ: وَهُوَ الْقَطْعُ. وَقَوْلُهُ قَبْلَهُ: (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) يُرِيدُ لِسِمَنِهَا وَأَنَّهَا مِنَ الْمَعْزِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الْمَعْزِ لَا يُجْزِئُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَبْلُ. قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ فَالْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ سَنَةٌ، وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ، وَقِيلَ سِتَّةٌ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ انْكَفَأَ) هُوَ مَهْمُوزٌ مَعْنَاهُ: رَجَعَ وَانْقَلَبَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ قَلَبْتُهُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ عَمَدَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ التِّينِ بِهَذَا اللَّفْظِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، يَدُلُّ عَلَى مُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُوَاظَبُ عَلَيْهِ، وَلَفْظَةُ (كَانَ) لَيْسَتْ هُنَا، وَإِنَّمَا هُنَا (فَانْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ). وَفِيهِ: أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ بِالْغَنَمِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ الْأَفْضَلَ فَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ وَأَهْدَى مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ; لِأَنَّهَا أَفْضَلُ فِي الْهَدَايَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنَمِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْغَنَمَ أَفْضَلُ، فَقَالَ ابْنُ الْقُرْطُبِيِّ: الْإِبِلُ بَعْدُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْبَقَرُ لِأَنَّ الْمُرَاعَى طِيبُ اللَّحْمِ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية