الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          وَفِي "تَهْذِيبِ الْمُدَوَّنَةِ" لِلْمَالِكِيَّةِ: وَإِذَا أَتَى مِنْ تَأْخِيرِ الْأَئِمَّةِ مَا يُسْتَنْكَرُ جَمَّعَ النَّاسُ لِأَنْفُسِهِمْ إِنْ قَدَرُوا، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا، وَتَنَفَّلُوا بِصَلَاتِهِمْ مَعَهُمْ . قَالَ: وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ مِثْلُ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ وَأَهْلِ السِّجْنِ فَجَائِزٌ أَنْ يُجَمِّعُوا . وَأَرَادَ بِالتَّجْمِيعِ هُنَا: صَلَاةَ الظُّهْرِ جَمَاعَةً، لَا صَلَاةَ الْجُمْعَةِ; فَإِنَّهُ قَالَ قَبْلَهُ: وَإِذَا فَاتَتِ الْجُمْعَةُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يُجَمِّعُوا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ جَمَاعَةً يَوْمَ الْجُمْعَةِ، مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ: أَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ يُتَّهَمُ فِي تَرْكِهَا، بِخِلَافِ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنَّ عُذْرَهُ ظَاهِرٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ تَجْمِيعَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ إِنَّمَا كَانَ عَنْ رَأْيِهِمْ . مِنْ غَيْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ فَرْضِ الْجُمْعَةِ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "مَسَائِلِهِ ": ثَنَا أَبِي: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ: ابْنُ عُلَيَّةَ -: ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ الْأَنْصَارَ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمُ الْمَدِينَةَ قَالُوا: لَوْ نَظَرْنَا يَوْمًا فَاجْتَمَعْنَا فِيهِ، فَذَكَرْنَا هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا بِهِ، فَقَالُوا: يَوْمَ السَّبْتِ، ثُمَّ قَالُوا: لَا نُجَامِعُ الْيَهُودَ فِي يَوْمِهِمْ . قَالُوا: يَوْمَ الْأَحَدِ، قَالُوا: لَا نُجَامِعُ النَّصَارَى فِي يَوْمِهِمْ . قَالُوا: فَيَوْمَ الْعَرُوبَةِ . قَالَ: وَكَانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ: يَوْمَ الْعَرُوبَةِ . فَاجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَذُبِحَتْ لَهُمْ شَاةٌ، فَكَفَتْهُمْ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "كِتَابِهِ " عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ . قَالَ: جَمَّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمْعَةُ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّوُهَا الْجُمْعَةَ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَلِلنَّصَارَى - أَيْضًا - مِثْلُ ذَلِكَ، فَهَلُمَّ فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ، وَنَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَنُصَلِّي وَنَشْكُرُهُ - أَوْ كَمَا قَالُوا -، فَقَالُوا: يَوْمُ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ، وَيَوْمُ الْأَحَدِ لِلنَّصَارَى، فَاجْعَلُوا يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ: يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ، فَصَلَّى بِهِمْ وَذَكَّرَهُمْ، فَسَمَّوْهُ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَذَبَحَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لَهُمْ شَاةً، فَتَغَدَّوْا وَتَعَشَّوْا مِنْ شَاهٍ وَاحِدَةٍ لَيْلَتَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ . فَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْجُمُعَةُ الَّتِي جَمَّعَهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ، أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ رُجَلًا . وَفِي هَذَا نَظَرٌ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بِاجْتِهَادِهِمْ قَبْلَ قُدُومِ مُصْعَبٍ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ مُصْعَبٌ عَلَيْهِمْ جَمَّعَ بِهِمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ الْإِسْلَامُ حِينَئِذٍ قَدْ ظَهَرَ وَفَشَا، وَكَانَ يُمْكِنُ إِقَامَةُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْأَنْصَارِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ وَفُشُوِّهِ، وَكَانَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ، لَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ . * * * [قَالَ الْبُخَارِيُّ ] : بَابٌ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ . فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءِ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ . وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي قَصْرِهِ، أَحْيَانًا يُجَمِّعُ، وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ . تَضَمُّنَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ مَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمْعَةُ، فَإِنَّهُ إِذَا نُودِيَ فِيهَا بِالصَّلَاةِ لِلْجُمْعَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَشُهُودُهَا، سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لِمَ يَسْمَعْهُ وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ عَطَاءٍ . وَهَذَا الَّذِي فِي الْقَرْيَةِ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا الْمُسْتَوْطِنِينَ بِهَا، فَلَا خِلَافَ فِي لُزُومِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمْعَةِ لَهُ، وَسَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجُمْعَةُ مَعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا جُمْعَةَ عَلَيْهِ . وَحُكِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَبَعًا لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ - أَيْضًا -، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ . وَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ فَلْيَجِبْ . وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ قَدْ نَوَى إِقَامَةً بِالْقَرْيَةِ تَمْنَعُهُ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْجُمْعَةُ; فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا . وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْجُمْعَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ: مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَمْ يُوجِبْهَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمِصْرِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمْعَةُ، هَلْ تَلْزَمُهُ الْجُمْعَةُ مَعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوِ الْمِصْرِ، أَمْ لَا؟ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوِ الْقَرْيَةِ الْجُمْعَةُ مَعَ أَهْلِهِ بِحَالٍ، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ رِبْضِ الْمِصْرِ . وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، إِلْحَاقًا لَهُمْ بِأَهْلِ الْقُرَى; فَإِنَّ الْجُمْعَةَ لَا تُقَامُ عِنْدَهُمْ فِي الْقُرَى . وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تَلْزَمُهُمُ الْجُمْعَةُ مَعَ أَهْلِ الْمِصْرِ أَوِ الْقَرْيَةِ، مَعَ الْقُرْبِ دُونَ الْبَعْدِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ ذَلِكَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُعْتَبَرُ: إِمْكَانُ سَمَاعِ النِّدَاءِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ مَوْضِعِ الْجُمْعَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ سَمَاعُ النِّدَاءِ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا . هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - مَعْنَاهُ . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الْجُمْعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَشْبَهُ . وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ - يَرْفَعُهُ -، قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ لَا يَشْهَدُونَهَا، أَوْ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَلَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ " . عَبْدُ الْعَزِيزِ هَذَا، شَامِيٌّ تَكَلَّمُوا فِيهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمْعَةِ فَرْسَخٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَاللَّيْثِ وَمَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ; لِأَنَّ الْفَرْسَخَ هُوَ مُنْتَهَى مَا يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ - غَالِبًا -; فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: الْجُمْعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، وَالنِّدَاءُ يُسْمَعُ مِنْ فَرْسَخٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ . فَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ وَالَّذِي قَبْلَهُ وَاحِدًا . وَخَرَّجَ الْخَلَّالُ مِنْ رِوَايَةٍ مَنْدَلٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ الصُّبَّةَ عَلَى رَأْسِ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، تَأْتِي عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ لَا يَشْهَدُهَا، ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْعَةُ لَا يَشْهَدُهَا - ثَلَاثًا - فَيُطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ " . مَنْدَلٌ فِيهِ ضَعْفٌ . وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - مَرْفُوعًا . وَفِي إِسْنَادِهِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخَوْزِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَرَوَى مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "أَلَا هَلْ عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ الصُّبَّةَ مِنَ الْغَنَمِ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْكَلَأُ، فَيَرْتَفِعُ، ثُمَّ تَجِيءُ الْجُمْعَةُ، فَلَا يَجِيءُ وَلَا يَشْهَدُهَا، وَتَجِيءُ الْجُمْعَةُ، فَلَا يَشْهَدُهَا، وَتَجِيءُ الْجُمْعَةُ، فَلَا يَشْهَدُهَا حَتَّى يُطْبَعَ عَلَى قَلْبِهِ " . خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَخَرَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ النِّجَادُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا: "مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً" . وَمَعْدِيٌّ هَذَا، تَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : شَيْخٌ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجِبُ الْجُمْعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَرَبِيعَةَ . وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ - أَيْضًا - تَحْدِيدُهُ بِسِتَّةِ أَمْيَالٍ، وَهِيَ فَرْسَخَانِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: تُؤْتَى الْجُمْعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ . خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، عَنْ مُعَاذٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرٍ . فَيَقُولُ لِقَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِمَشْقَ أَرْبَعُ فَرَاسِخَ وَخَمْسُ فَرَاسِخَ: إِنَّ الْجُمْعَةَ لَزِمَتْكُمْ، وَأَنْ لَا جُمْعَةَ إِلَّا مَعَنَا . وَبِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِشُهُودِ الْجُمْعَةِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِمَشْقَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِيلًا . وَقَالَ بَقِيَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِحِمْصَ تَبْعَثُ الْخَيْلَ نَهَارَ الْخَمِيسِ إِلَى جُوسِيَةَ وَحَمَاةَ وَالرَّسْتَنِ يَجْلِبُونَ النَّاسَ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُجَمِّعُ إِلَّا بِحِمْصَ . وَعَنْ عَطَاءٍ . أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ كَمْ يُؤْتَى الْجُمْعَةُ؟ قَالَ: مِنْ سَبْعَةِ أَمْيَالٍ . وَعَنْهُ، قَالَ: يُقَالُ: مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ إِلَى بَرِيدٍ . وَعَنِ النَّخَعِيِّ ، قَالَ: تُؤْتَى الْجُمْعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ . وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ أَمَرَ أَهْلَ قُبَاءَ، وَأَهْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الْقُرَى الصِّغَارِحَوْلَهُ: لَا يُجَمِّعُوا، وَأَنْ يَشْهَدُوا الْجُمْعَةَ بِالْمَدِينَةِ . وَعَنْ رَبِيعَةَ - أَيْضًا -، أَنَّهُ قَالَ: تَجِبُ الْجُمْعَةُ عَلَى مَنْ إِذَا نُودِيَ بِصَلَاةِ الْجُمْعَةِ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مَاشِيًا أَدْرَكَ الْجُمْعَةَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَجِبُ الْجُمْعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى مَنْزِلِهِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَكَمُ وَعَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ . انْتَهَى . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ . وَحَكَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالِنْجِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَهُ، وَاخْتَارَهُ الْجَوْزَجَانِيُّ . وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَبَيَّنَ ضَعْفَ إِسْنَادِهِ، وَأَنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَهُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ . وَفِيهِ - أَيْضًا -، عَنْ عَائِشَةَ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَفِيهِ - أَيْضًا - مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي قُلَابَةَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تُؤْتَى الْجُمْعَةُ مِنْ فَرْسَخَيْنِ، قَالَهُ النَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ، نَقَلَهُ عَنْهُ حَرْبٌ . لَكِنَّهُمَا لَمْ يُصَرِّحَا بِوُجُوبِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ . وَخَرَّجَ حَرْبٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يُجَمِّعُ مِنَ الزَّاوِيَةِ، وَهِيَ فَرْسَخَانِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَيَشْهَدُ الْجُمْعَةَ بِالْبَصْرَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ كَانَ بِالشَّجَرَةِ - وَهِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ -، فَكَانَ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ، - وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا . وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، كَانَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَكَانَ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ . وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَمَانِيَةٌ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يَفْعَلُ .

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية