الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [قَالَ الْبُخَارِيُّ ] : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ صَلَاةُ الْجُمْعَةِ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، بِشَرَائِطَ أُخَرَ، هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ إِجْمَاعًا كَابْنِ الْمُنْذِرِ . وَشَذَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى قَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: لَا تَحِلُّ حِكَايَتُهُ وَحِكَايَةُ الْخَطَّابِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهْمٌ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِالْعِيدِ . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ: أَنَّ الْجُمْعَةَ سُنَّةٌ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْجُمْعَةَ سُنَّةٌ . وَحَمَلَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى الْمُخْتَلَفِ فِي وُجُوبِ الْجُمْعَةِ عَلَيْهِمْ خَاصَّةً، دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ . وَنَقْلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ: الصَّلَاةُ - يَعْنِي: صَلَاةَ الْجُمْعَةِ - فَرِيضَةٌ، وَالسَّعْيُ إِلَيْهَا تَطَوُّعٌ، سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ . وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ عَنْ إِطْلَاقِ الْفَرْضِ عَلَى إِتْيَانِ الْجُمْعَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ نَفْسُهَا، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ، وَهَذَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْفَرِيضَةِ وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَرِيضَةِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فَلَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، بَلْ لِغَيْرِهِ . وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كَلَامَ أَحْمَدَ بِمَا لَا يَصِحُّ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ: شِدَّةُ الِاهْتِمَامِ بِإِتْيَانِهَا وَالْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا، . فَهُوَ مِنْ سَعْيِ الْقُلُوبِ، لَا مِنْ سَعْيِ الْأَبْدَانِ، كَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدَعْهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لِيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ " . وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ -، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "مَنْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ تَهَاوُنًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ " . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَخَرَّجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ " . وَرُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَمَّ أَنْ يَحْرِقَ عَلَى مَنْ يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجُمْعَةِ بُيُوتَهُمْ . وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "الْجُمْعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي جَمَاعَةٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ" . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ . عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَيْسَ وَصْلُهُ بِمَحْفُوظٍ . وَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: "رَوَاحُ الْجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " . وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَهُمْ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمْعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَا زَكَاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا بَرَكَةَ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ " . وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَاضْطِرَابٌ وَاخْتِلَافٌ، قَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي "أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ" . وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُمْعَةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ; لِأَنَّ جَابِرًا إِنَّمَا صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَهِدَ خُطْبَتَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ - أَيْضًا -: أَنَّ سُورَةَ الْجُمْعَةِ مَدَنِيَّةٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمْعَةَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ . وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي جَمَعَتْ بِالْمَدِينَةِ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ . وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَزَعَمَ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْجُمْعَةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ; وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ: بِمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ فِي "كِتَابِ الْجُمْعَةِ" مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى ابْنِ عِمْرَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ - بَعْدَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ - بِجُوَاثَاءَ بِالْبَحْرَيْنِ - قَرْيَةٍ لِعَبْدِ الْقَيْسِ . وَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ - كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ – بَعْدَ جُمْعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - فِي مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ . وَكَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ، وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ - بَعْدَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ - لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَاءَ - قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ . فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمُعَافَى وَهِمٌ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ، وَالصَّوَابُ: رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طِهْمَانَ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ أَوَّلَ مَسْجِدٍ جُمِّعَ فِيهِ - بَعْدَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ -: مَسْجِدُ جُوَاثَاءَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْجُمْعَةَ الَّتِي جُمِّعَتْ بِجُوَاثَاءَ كَانَتْ فِي الْجُمْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْجُمْعَةِ الَّتِي جُمِّعَتْ بِالْمَدِينَةِ، كَمَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْ بَعْضِ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ; فَإِنَّ عَبْدَ الْقَيْسِ إِنَّمَا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ - أَيْضًا - أَنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي نَقِيعِ الْخَضَمَاتِ، قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، وَقَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدَهُ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا سَمِعَ أَذَانَ الْجُمْعَةِ اسْتَغْفَرَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَسَأَلَهُ ابْنُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْجُمْعَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ فِي نَقِيعِ الْخَضَمَاتِ، فِي هَزْمِ النَّبِيتِ، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ . قِيلَ لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ رُجَلًا . خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ - مُطَوَّلًا . وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي "كِتَابِ السِّيَرِ" لَهُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ الْقُرَشِيَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: "اجْمَعْ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ انْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي تَجْمُرُ فِيهِ الْيَهُودُ لِسَبْتِهَا، فَإِذَا مَالَ النَّهَارُ عَنْ شَطْرِهِ فَقُمْ فِيهِمْ، ثُمَّ تَزَلَّفُوا إِلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ " . قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : فَجَمَعَ بِهِمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي دَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ، فَجَمَعَ بِهِمْ وَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِالنَّاسِ . وَقَدْ خَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيُّ - أَظُنُّهُ فِي "أَفْرَادِهِ " - مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْبَاهِلِيِّ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو زَيْدٍ الْمَدَنِيُّ: ثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : ثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَمِّعَ بِمَكَّةَ وَلَا يُبَيِّنَ لَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ : "أَمَّا بَعْدُ، فَانْظُرِ الْيَوْمَ الَّذِي تَجْمُرُ فِيهِ الْيَهُودُ لِسَبْتِهِمْ، فَاجْمَعُوا نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، فَإِذَا مَالَ النَّهَارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ " . قَالَ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، فَجَمَّعَ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنَ الظُّهْرِ، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ . وَهَذَا إِسْنَادٌ مَوْضُوعٌ، وَالْبَاهِلِيُّ هُوَ: غُلَامُ خَلِيلٍ، كَذَّابٌ مَشْهُورٌ بِالْكَذِبِ . وَإِنَّمَا هَذَا أَصْلُهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ ، وَفِي هَذَا السِّيَاقِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ . وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَوَّلَ مَا جُمِّعَتِ الْجُمْعَةُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَجَمَعَ بِالْمُسْلِمِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "كِتَابِهِ " عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَمِّعَ بِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ بِأَمِيرٍ . وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ يُعَلِّمُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَنْ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - زَعَمُوا -، قُلْتُ: أَفَبِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: فَمَهْ؟! وَخَرَّجَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَعِنْدَهُ . قَالَ: نَعَمْ . فَمَهْ؟! قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ . وَكَذَلِكَ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي - رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَنْ يُجَمِّعَ بِهِمْ بِالْمَدِينَةِ . وَنَصَّ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَلَى أَنَّ أَوَّلَ جُمْعَةِ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ الْجُمْعَةُ الَّتِي جُمِّعَتْ بِالْمَدِينَةِ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ . فَتَبَيَّنَ بِهَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِالْمَدِينَةِ . وَلَمْ يُقِمْهَا بِمَكَّةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ بِمَكَّةَ . وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْجُمْعَةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ: أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "خِلَافِهِ الْكَبِيرِ" مِنْ أَصْحَابِنَا، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي "عُمَدِ الْأَدِلَّةِ"، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، مِنْهُمْ: السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ . وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ بِمَكَّةَ، فَيُحْمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا أَنْ يُقِيمَهَا فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، لَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكَانَتْ مَكَّةُ إِذْ ذَاكَ دَارَ حَرْبِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَتَمَكَّنُونَ فِيهَا مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِمْ، وَكَانُوا خَائِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ . وَلِذَلِكَ هَاجَرُوا مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْجُمْعَةُ تَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إِقَامَتِهَا بِمَكَّةَ، وَهُوَ: أَنَّ الْجُمْعَةَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِإِقَامَتِهَا إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ . وَلِهَذَا لَا تُقَامُ الْجُمْعَةُ فِي السِّجْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَرْبَعُونَ، وَلَا يُعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَهُ: الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ . وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا: لَوْ كَانَ الْأُسَارَى فِي بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ مُجْتَمِعِينَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ; فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِيهِ جُمْعَةً، كَالْمَسْجُونِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَوْلَى، لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَإِنْ طَالَتْ - حُكْمُهَا حُكْمُ السَّفَرِ، فَتُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ أَبَدًا، وَلَوْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بِاخْتِيَارِهِ . فَكَيْفَ إِذَا كَانَ أَسِيرًا مَقْهُورًا؟ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى اشْتِرَاطَ إِذْنِ الْإِمَامِ لِإِقَامَةِ الْجُمْعَةِ أَظْهَرُ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ إِذْنَ الْإِمَامِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْأُمَرَاءِ إِذَا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: فَيُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ، فَحَمَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي "خِلَافِهِ " عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا جُمْعَةً لِوَقْتِهَا . وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ: أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ يَشْهَدُونَ الْجُمْعَةَ مَعَ الْأُمَرَاءِ . وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَفْعَلُونَ عِنْدَ تَأْخِيرِ بَنِي أُمَيَّةَ لِلْجُمْعَةِ عَنْ وَقْتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُومِئُ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لِوَقْتِهَا، وَفِي ذَلِكَ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ تَسْقُطُ الْجُمْعَةُ بِخَشْيَةِ بَعْضِهَا .

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية