الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                السؤال وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ نُعَيْمٍ الْمُجَمِّرِ قَالَ : " كُنْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ حَتَّى بَلَغَ { وَلَا الضَّالِّينَ } . قَالَ : آمِينَ وَقَالَ النَّاسُ : آمِينَ وَيَقُولُ : كُلَّمَا سَجَدَ : اللَّهُ أَكْبَرُ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَكَانَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَبْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا وَيَقُولُ : مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَبِي وَقَالَ أَبِي : مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ أَنَسٍ وَقَالَ أَنَسٌ : مَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الْجَهْرِ بِهَا . ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ . فَهَلْ يُحْمَلُ { مَا قَالَهُ أَنَس : وَهُوَ صَلَّيْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَذْكُرُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } عَلَى عَدَمِ السَّمَاعِ ؟ وَمَا التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالصَّوَابُ ؟ . وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد . ( أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا تَجِبُ قِرَاءَتُهَا حَيْثُ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ . ( وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا فَرْقَ بِهِ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ وَأَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ كَقِرَاءَتِهَا فِي أَوَّلِ السُّورِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ لَا تُخَالِفُهُ . وَحِينَئِذٍ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَاتِحَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ . ( وَالثَّانِي قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : قِرَاءَتُهَا مَكْرُوهَةٌ سِرًّا وَجَهْرًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ قِرَاءَتَهَا جَائِزَةٌ ; بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَطَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُسَوِّي بَيْنَ قِرَاءَتِهَا وَتَرْكِ قِرَاءَتِهَا وَيُخَيِّرُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ هَذَا عَلَى إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَذَلِكَ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى . ثُمَّ مَعَ قِرَاءَتِهَا هَلْ يُسَنُّ الْجَهْرُ أَوْ لَا يُسَنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : قِيلَ : يُسَنُّ الْجَهْرُ بِهَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ . قِيلَ : لَا يُسَنُّ الْجَهْرُ بِهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالرَّأْيِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقِيلَ : يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا . كَمَا يُرْوَى عَنْ إسْحَاقَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ . وَمَعَ هَذَا فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يُجْهَرُ بِهِ قَدْ يُشْرَع الْجَهْرُ بِهِ لِمَصْلَحَةِ رَاجِحَةٍ فَيَشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَحْيَانًا لِمِثْلِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ وَيَسُوغُ لِلْمُصَلِّينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ أَحْيَانًا وَيَسُوغُ أَيْضًا أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ الْأَفْضَلَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ خَوْفًا مِنْ التَّنْفِيرِ عَمَّا يَصْلُحُ كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ; لِكَوْنِ قُرَيْشٍ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَخَشِيَ تَنْفِيرَهُمْ بِذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ والائتلاف مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - لَمَّا أَكْمَلَ الصَّلَاةَ خَلْفَ عُثْمَانَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ - الْخِلَافُ شَرٌّ ; وَلِهَذَا نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَسْمَلَةِ وَفِي وَصْلِ الْوِتْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْجَائِزِ الْمَفْضُولِ مُرَاعَاةَ ائْتِلَافِ الْمَأْمُومِينَ أَوْ لِتَعْرِيفِهِمْ السُّنَّةَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية