الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فَبَعْدَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّقْوَى رَجَاءَ الرَّحْمَةِ وَالْفَلَاحِ.. بَعْدَ هَذَا يَجِيءُ الْأَمْرُ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ .. ثُمَّ يَكُونُ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ لِلْمُتَّقِينَ هُوَ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ - فَهُمُ الْفَرِيقُ الْمُقَابِلُ لِلَّذِينِ يَأْكُلُونَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً - ثُمَّ تَجِيءُ بَقِيَّةُ الصِّفَاتِ وَالسِّمَاتِ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَالتَّعْبِيرُ هُنَا يُصَوِّرُ أَدَاءَ هَذِهِ الطَّاعَاتِ فِي صُورَةٍ حِسِّيَّةٍ حَرَكِيَّةٍ.. يُصَوِّرُهُ سِبَاقًا إِلَى هَدَفٍ أَوْ جَائِزَةٍ تُنَالُ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .. وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ .. سَارَعُوا فَهِيَ هُنَاكَ: الْمَغْفِرَةُ وَالْجَنَّةُ.. أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ .. ثُمَّ يَأْخُذُ فِي بَيَانِ صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ .. فَهُمْ ثَابِتُونَ عَلَى الْبَذْلِ، مَاضُونَ عَلَى النَّهْجِ، لَا تُغَيِّرُهُمُ السَّرَّاءُ وَلَا تَغَيِّرُهُمُ الضَّرَّاءُ. السَّرَّاءُ لَا تَبْطُرُهُمْ فَتُلْهِيهِمْ. وَالضَّرَّاءُ لَا تُضْجِرُهُمْ فَتُنْسِيهِمْ. إِنَّمَا هُوَ الشُّعُورُ بِالْوَاجِبِ فِي كُلِّ حَالٍ وَالتَّحَرُّرِ مِنَ الشُّحِّ وَالْحِرْصِ; وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ.. وَمَا يَدْفَعُ النَّفْسَ الشَّحِيحَةَ بِطَبْعِهَا، الْمَحَبَّةُ لِلْمَالِ بِفِطْرَتِهَا.. مَا يَدْفَعُ النَّفْسَ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِي كُلِّ حَالٍ، إِلَّا دَافِعٌ أَقْوَى مِنْ شَهْوَةِ الْمَالِ، وَرِبْقَةُ الْحِرْصِ، وَثَقْلَةُ الشُّحِّ.. دَافِعُ التَّقْوَى. ذَلِكَ الشُّعُورُ اللَّطِيفُ الْعَمِيقُ، الَّذِي تَشِفُّ بِهِ الرُّوحُ وَتَخْلُصُ، وَتَنْطَلِقُ مِنَ الْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ.. وَلَعَلَّ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُنَاسِبَةً خَاصَّةً كَذَلِكَ فِي جَوِّ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ. فَنَحْنُ نَرَى الْحَدِيثَ عَنِ الْإِنْفَاقِ يَتَكَرَّرُ فِيهَا، كَمَا نَرَى التَّنْدِيدَ بِالْمُمْتَنِعِينَ وَالْمَانِعِينَ لِلْبَذْلِ - كَمَا سَيَأْتِي فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ - مُكَرَّرًا كَذَلِكَ. مِمَّا يُشِيرُ إِلَى مُلَابَسَاتٍ خَاصَّةٍ فِي جَوِّ الْغَزْوَةِ، وَمَوْقِفِ بَعْضِ الْفِئَاتِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ .. كَذَلِكَ تَعْمَلُ التَّقْوَى فِي هَذَا الْحَقْلِ، بِنَفْسِ الْبَوَاعِثِ وَنَفْسِ الْمُؤَثِّرَاتِ. فَالْغَيْظُ انْفِعَالٌ بَشَرِيٌّ، تُصَاحِبُهُ أَوْ تُلَاحِقُهُ فَوْرَةٌ فِي الدَّمِ ; فَهُوَ إِحْدَى دَفَعَاتِ التَّكْوِينِ الْبَشَرِيِّ، وَإِحْدَى ضَرُورَاتِهِ. وَمَا يَغْلِبُهُ الْإِنْسَانُ إِلَّا بِتِلْكَ الشَّفَافِيَةِ اللَّطِيفَةِ الْمُنْبَعِثَةِ مِنْ إِشْرَاقِ التَّقْوَى; وَإِلَّا بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ الْمُنْبَثِقَةِ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَى أُفُقٍ أَعْلَى وَأَوْسَعَ مِنْ آفَاقِ الذَّاتِ وَالضَّرُورَاتِ. وَكَظْمُ الْغَيْظِ هُوَ الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى. وَهِيَ وَحْدُهَا لَا تَكْفِي. فَقَدْ يَكْظِمُ الْإِنْسَانُ غَيْظَهُ لِيَحْقِدٍ وَيَضْطَغِنُ; فَيَتَحَوَّلُ الْغَيْظُ الْفَائِرُ إِلَى إِحْنَةٍ غَائِرَةٍ; وَيَتَحَوَّلُ الْغَضَبُ الظَّاهِرُ إِلَى حِقْدٍ دَفِينٍ.. وَإِنَّ الْغَيْظَ وَالْغَضَبَ لِأَنْظَفَ وَأَطْهَرَ مِنَ الْحِقْدِ وَالضَّغْنِ.. لِذَلِكَ يَسْتَمِرُّ النَّصُّ لِيُقَرِّرَ النِّهَايَةَ الطَّلِيقَةَ لِذَلِكَ الْغَيْظِ الْكَظِيمِ فِي نُفُوسِ الْمُتَّقِينَ .. إِنَّهَا الْعَفْوُ وَالسَّمَاحَةُ وَالِانْطِلَاقُ.. إِنَّ الْغَيْظَ وَقْرَ عَلَى النَّفْسِ حِينَ تَكْظِمُهُ; وَشُوَاظٌ يَلْفَحُ الْقَلْبَ; وَدُخَانٌ يَغْشَى الضَّمِيرَ.. فَأَمَّا حِينُ تَصْفَحُ النَّفْسُ وَيَعْفُو الْقَلْبُ، فَهُوَ الِانْطِلَاقُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْرِ، وَالرَّفْرَفَةِ فِي آفَاقِ النُّورِ، وَالْبَرَدِ فِي الْقَلْبِ، وَالسَّلَامِ فِي الضَّمِيرِ. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .. وَالَّذِينَ يَجُودُونَ بِالْمَالِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ مُحْسِنُونَ . وَالَّذِينَ يَجُودُونَ بِالْعَفْوِ وَالسَّمَاحَةِ بَعْدَ الْغَيْظِ وَالْكَظْمِ مُحْسِنُونَ.. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .. وَالْحُبُّ هُنَا هُوَ التَّعْبِيرُ الْوَدُودُ الْحَانِي الْمَشْرِقُ الْمُنِيرُ، الَّذِي يَتَنَاسَقُ مَعَ ذَلِكَ الْجَوِّ اللَّطِيفِ الْوَضِيءِ الْكَرِيمِ.. وَمِنْ حُبِّ اللَّهِ لِلْإِحْسَانِ وَلِلْمُحْسِنِينَ ، يَنْطَلِقُ حُبُّ الْإِحْسَانِ فِي قُلُوبِ أَحِبَّائِهِ. وَتَنْبَثِقُ الرَّغْبَةُ الدَّافِعَةُ فِي هَذِهِ الْقُلُوبِ.. فَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّعْبِيرِ الْمُوحِي، وَلَكِنَّهَا الْحَقِيقَةُ كَذَلِكَ وَرَاءَ التَّعْبِيرِ!. وَالْجَمَاعَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَتُحِبُّ اللَّهَ.. وَالَّتِي تَشِيعُ فِيهَا السَّمَاحَةُ وَالْيُسْرُ وَالطَّلَاقَةُ مِنَ الْإِحَنِ وَالْأَضْغَانِ.. هِيَ جَمَاعَةٌ مُتَضَامَّةٌ، وَجَمَاعَةٌ مُتَآخِيَةٌ، وَجَمَاعَةٌ قَوِيَّةٌ. وَمِنْ ثَمَّ عَلَاقَةُ هَذَا التَّوْجِيهِ بِالْمَعْرَكَةِ فِي الْمَيْدَانِ وَالْمَعْرَكَةِ فِي الْحَيَاةِ عَلَى السَّوَاءِ فِي هَذَا السِّيَاقِ!.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية