الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ [إِلَّا الْآيَاتِ 10 وَ 11 وَ 20 فَمَدَنِيَّةٌ] وَآيَاتُهَا 19 وَقِيلَ: 20 [نَزَلَتْ بَعْدَ الْقَلَمِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا الْمُزَّمِّلُ الْمُتَزَمِّلُ، وَهُوَ الَّذِي تَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ: أَيْ تَلَفَّفَ بِهَا، بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الزَّايِ: وَنَحْوَهُ: الْمُدَّثِّرُ فِي الْمُتَدَثِّرِ وَقُرِئَ "الْمُتَزَمِّلُ" عَلَى الْأَصْلِ: وَالْمُزَمِّلُ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا. عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ، مِنْ زَمَّلَهُ، وَهُوَ الَّذِي زَمَّلَهُ غَيْرُهُ أَوْ زَمَّلَ نَفْسَهُ; وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا بِاللَّيْلِ مُتَزَمِّلًا فِي قَطِيفَةٍ فَنُبِّهَ وَنُودِيَ بِمَا يُهَجِّنُ إِلَيْهِ الْحَالَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنَ التَّزَمُّلِ فِي قَطِيفَتِهِ وَاسْتِعْدَادِهِ لِلِاسْتِثْقَالِ فِي النَّوْمِ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ لَا يُهِمُّهُ أَمْرٌ وَلَا يَعْنِيهِ شَأْنٌ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ [مِنَ الطَّوِيلِ]: وَكَائِنٍ تَخَطَّتْ نَاقَتِي مِنْ مَفَازَةٍ وَمِنْ نَائِمٍ عَنْ لَيْلِهَا مُتَزَمِّلِ يُرِيدُ: الْكَسْلَانَ الْمُتَقَاعِسَ الَّذِي لَا يَنْهَضُ فِي مَعَاظِمِ الْأُمُورِ وَكِفَايَاتِ الْخُطُوبِ، وَلَا يُحَمِّلُ نَفْسَهُ الْمَشَاقَّ وَالْمَتَاعِبَ، وَنَحْوَهُ [مِنَ الْكَامِلِ]: فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الْفُؤَادِ مُبَطَّنًا سُهُدًا إِذَا مَا نَامَ لَيْلُ الْهَوْجَلِ وَفِي أَمْثَالِهِمْ [مِنَ الرَّجَزِ]: أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ مَا هَكَذَا تُورَدُ يَا سَعْدُ الْإِبِلْ فَذَمَّهُ بِالِاشْتِمَالِ بِكِسَائِهِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ خِلَافَ الْجَلَدِ وَالْكَيْسِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَخْتَارَ عَلَى الْهُجُودِ التَّهَجُّدَ، وَعَلَى التَّزَمُّلِ التَّشَمُّرَ، وَالتَّخَفُّفَ لِلْعِبَادَةِ وَالْمُجَاهَدَةَ فِي اللَّهِ، لَا جَرَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَشَمَّرَ لِذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِهِ حَقَّ التَّشَمُّرِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى إِحْيَاءِ لَيَالِيهِمْ، وَرَفَضُوا لَهُ الرُّقَادَ وَالدَّعَةَ، وَتَجَاهَدُوا فِيهِ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَظَهَرَتِ السِّيمَى فِي وُجُوهِهِمْ وَتَرَامَى أَمْرُهُمْ إِلَى حَدٍّ رَحِمِهِمْ لَهُ رَبُّهُمْ. فَخَفَّفَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: كَانَ مُتَزَمِّلًا فِي مِرْطٍ لِعَائِشَةَ يُصَلِّي، فَهُوَ عَلَى هَذَا لَيْسَ بِتَهْجِينٍ، بَلْ هُوَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ وَتَحْسِينٌ لِحَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأَمْرٌ بِأَنْ يَدُومَ عَلَى ذَلِكَ وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ مَا كَانَ تَزْمِيلُهُ؟ قَالَتْ: كَانَ مِرْطًا طُولُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا نِصْفُهُ عَلَيَّ وَأَنَا نَائِمَةٌ وَنِصْفُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسُئِلَتْ: مَا كَانَ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ خَزًّا وَلَا قَزًّا وَلَا مِرْعِزَّى وَلَا إِبْرِيسِمًا وَلَا صُوفًا: كَانَ سُدَاهُ شَعْرًا وَلُحْمَتُهُ وَبَرًا. وَقِيلَ: دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، وَقَدْ جِئْتُ فِرَقًا أَوَّلَ مَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَبَوَادِرُهُ تَرْعِدُ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، وَحَسَبَ أَنَّهُ عُرِضُ لَهُ; فَبَيْنًا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَادَاهُ جِبْرِيلُ : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّ الْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الَّذِي زُمِّلَ أَمْرًا عَظِيمًا، أَيْ: حُمِّلَهُ ، وَالزَّمْلُ: الْحَمْلُ. وَازْدَمَلَهُ: احْتَمَلَهُ وَقُرِئَ "قُمُ اللَّيْلَ" بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَنَى: الْغَرَضُ بِهَذِهِ الْحَرَكَةِ التَّبَلُّغُ بِهَا هَرَبًا مِنَ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَبِأَيِّ الْحَرَكَاتِ تَحَرَّكَ فَقَدْ وَقَعَ الْغَرَضُ نِصْفَهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّيْلِ. وَإِلَّا قَلِيلًا: اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النِّصْفِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ وَعَلَيْهِ لِلنِّصْفِ، وَالْمَعْنَى التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ; بَيْنَ أَنْ يَقُومَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ عَلَى الْبَتِّ، وَبَيْنَ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا النُّقْصَانُ مِنَ النِّصْفِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ. وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نِصْفَهُ بَدَلًا مِنْ قَلِيلًا، وَكَانَ تَخْيِيرًا بَيْنَ ثَلَاثٍ: بَيْنَ قِيَامِ النِّصْفِ بِتَمَامِهِ، وَبَيْنَ قِيَامِ النَّاقِصِ مِنْهُ وَبَيْنَ قِيَامِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ; وَإِنَّمَا وُصِفَ النِّصْفُ بِالْقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُلِّ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ إِذَا أَبْدَلْتَ النِّصْفَ مِنَ اللَّيْلِ، قُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، رَجَعَ الضَّمِيرُ فِي مِنْهُ وَعَلَيْهِ إِلَى الْأَقَلِّ مِنَ النِّصْفِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: قُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. أَوْ: قُمْ أَنْقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْأَقَلِّ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ قَلِيلًا. فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ فِيمَا وَرَاءَ النِّصْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثُّلْثِ. وَيَجُوزُ إِذَا أَبْدَلْتَ نِصْفَهُ مِنْ "قَلِيلًا" وَفَسَّرْتَهُ بِهِ أَنْ تَجْعَلَ قَلِيلًا الثَّانِيَ بِمَعْنَى نِصْفِ النِّصْفِ: وَهُوَ الرُّبْعُ، كَأَنَّهُ قِيلَ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا نِصْفَهُ. وَتَجْعَلَ الْمَزِيدَ عَلَى هَذَا الْقَلِيلِ، أَعْنِي الرُّبْعَ، نِصْفَ الرُّبْعِ؛ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ قَلِيلًا نِصْفَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ الزِّيَادَةَ لِكَوْنِهَا مُطْلَقَةً تَتِمَّةَ الثُّلْثِ، فَيَكُونُ تَخْيِيرًا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلْثِ وَالرُّبْعِ. فَإِنْ قُلْتَ: أَكَانَ الْقِيَامُ فَرْضًا أَمْ نَفْلًا ؟ قُلْتُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ تَطَوُّعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً. وَقِيلَ: كَانَ فَرْضًا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، ثُمَّ نُسِخَ بِهِنَّ إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ : كَانَ قِيَامُ ثُلْثِ اللَّيْلِ فَرِيضَةً، وَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَةً. وَقِيلَ: كَانَ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِي الْمِقْدَارِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ. وَعَنِ الْكَلْبِيِّ : كَانَ يَقُومُ الرَّجُلُ حَتَّى يُصْبِحَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُحْفَظَ مَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالثُّلْثَيْنِ; وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ نَفْلًا بِدَلِيلِ التَّخْيِيرِ فِي الْمِقْدَارِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الْإِسْرَاءِ: 79]. تَرْتِيلُ الْقُرْآنِ: قِرَاءَتُهُ عَلَى تَرَسُّلٍ وَتُؤَدَةٍ بِتَبْيِينِ الْحُرُوفِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، حَتَّى يَجِيءَ الْمَتْلُوُّ مِنْهُ شَبِيهًا بِالثَّغْرِ الْمُرَتِّلِ: وَهُوَ الْمُفَلَّجُ الْمُشَبَّهُ بِنَوْرِ الْأُقْحُوَانِ، وَأَلَّا يَهُذَّهُ هَذًّا وَلَا يَسْرُدُهُ سَرْدًا، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ. وَشَرُّ الْقِرَاءَةِ الْهَذْرَمَةُ، حَتَّى يُشْبِهَ الْمَتْلُوُّ فِي تَتَابُعِهِ الثَّغْرَ الْأَلَصَّ. وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: لَا كَسَرْدِكُمْ هَذَا، لَوْ أَرَادَ السَّامِعُ أَنْ يَعُدَّ حُرُوفَهُ لَعَدَّهَا وَ تَرْتِيلًا تَأْكِيدٌ فِي إِيجَابِ الْأَمْرِ بِهِ، وَأَنَّهُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَارِئِ.

                                                                                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية