الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ أَيْ إِنَّ بَعْضَهُمْ كَذَلِكَ فَمِنَ الْأَزْوَاجِ أَزْوَاجًا يُعَادِينَ بُعُولَتَهُمْ وَيُخَاصِمْنَهُمْ وَيَجْلِبْنَ عَلَيْهِمْ ، وَمِنَ الْأَوْلَادِ أَوْلَادًا يُعَادُونَ آبَاءَهُمْ وَيَعُقُّونَهُمْ وَيُجَرِّعُونَهُمُ الْغُصَصَ وَالْأَذَى ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنَ الْأَزْوَاجِ مَنْ قَتَلَتْ زَوْجَهَا ، وَمَنْ أَفْسَدَتْ عَقْلَهُ بِإِطْعَامِ بَعْضِ الْمُفْسِدَاتِ لِلْعَقْلِ ، وَمَنْ كَسَرَتْ قَارُورَةَ عِرْضِهِ ، وَمَنْ مَزَّقَتْ كِيسَ مَالِهِ - وَمَنْ ، وَمَنْ - وَكَذَا مِنَ الْأَوْلَادِ مَنْ فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُمْ أَيْ كُونُوا مِنْهُمْ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تَأْمَنُوا غَوَائِلَهُمْ وَشَرَّهُمْ ، وَالضَّمِيرُ لِلْعَدُوِّ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمْعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشُّعَرَاءَ : 77] فَالْمَأْمُورُ بِهِ الْحَذَرُ عَنِ الْكُلِّ ، أَوْ لِلْأَزْوَاجِ ، وَالْأَوْلَادِ جَمِيعًا ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ إِمَّا الْحَذَرُ عَنِ الْبَعْضِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ، وَإِمَّا الْحَذَرُ عَنْ مَجْمُوعِ الْفَرِيقَيْنِ لِاشْتِمَالِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ وَإِنْ تَعْفُوا عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْقَابِلَةِ لِلْعَفْوِ بِأَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِأُمُورِ الدُّنْيَا ، أَوْ بِأُمُورِ الدِّينِ لَكِنْ مُقَارِنَةٌ لِلتَّوْبَةِ بِأَنْ لَمْ تُعَاقِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَتَصْفَحُوا تُعْرِضُوا بِتَرْكِ التَّثْرِيبِ وَالتَّعْيِيرِ وَتَغْفِرُوا تَسْتُرُوهَا بِإِخْفَائِهَا وَتَمْهِيدِ مَعْذِرَتِهِمْ فِيهَا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَائِمٌ مَقَامَ الْجَوَابِ ، وَالْمُرَادُ يُعَامِلُكُمْ بِمِثْلِ مَا عَمِلْتُمْ ، وَيَتَفَضَّلُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ هَا هُنَا شَاقًّا لِأَنَّ الْأَذَى الصَّادِرَ مِمَّنْ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ أَشَدُّ نِكَايَةً وَأَبْعَثُ عَلَى الِانْتِقَامِ نَاسَبَ التَّأْكِيدَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : وَإِنْ تَعْفُوا إِلَخْ ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : إِنَّ عَدَاوَتَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّاعَاتِ وَالْأُمُورِ النَّافِعَةِ لَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ ، وَقَدْ يَحْمِلُونَهُمْ عَلَى السَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَارْتِكَابِ الْآثَامِ لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِهِمْ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَأْتِي زَمَانٌ عَلَى أُمَّتِي يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُ الرَّجُلِ عَلَى يَدِ زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ يُعَيِّرَانِهِ بِالْفَقْرِ فَيَرْكَبُ مَرَاكِبَ السُّوءِ فَيَهْلَكُ » . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ حُبُّهُمْ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي عَيْشٍ رَغْدٍ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَيَرْتَكِبُ الْمَحْظُورَاتِ لِتَحْصِيلِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبُوهُ مِنْهُ فَيَهْلَكُ ، وَسَبَبُ النُّزُولِ أَوْفَقُ بِهَذَا الْقَوْلِ . أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَخْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ وَمِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُرِيدُ الْهِجْرَةَ فَيَحْبِسُهُ امْرَأَتُهُ وَوَلَدُهُ فَيَقُولُ : أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ فَجَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ الْآيَةَ . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ قَالُوا لَهُمْ لَئِنْ جَمَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي دَارِ الْهِجْرَةِ لَمْ نُصِبْكُمْ بِخَيْرٍ فَلَمَّا هَاجَرُوا مَنَعُوهُمُ الْخَيْرَ فَنَزَلَتْ ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ أَرَادَ الْغَزْوَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَمَعَ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ فَثَبَّطُوهُ وَشَكَوْا إِلَيْهِ فِرَاقَهُ فَرَقَّ وَلَمْ يَغْزُ ، ثُمَّ إِنَّهُ نَدِمَ فَهَمَّ بِمُعَاقَبَتِهِمْ فَنَزَلَتْ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْقِدَ عَلَى زَوْجِهِ وَوَلَدِهِ إِذَا جَنَوْا مَعَهُ جِنَايَةً وَأَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية