الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( وصيام ثلاثة من كل شهر  وكره كونها البيض كستة من شوال ) ش: قال في المقدمات روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله " فكره مالك رحمه الله ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها، وكذلك كره مالك رحمه الله أن يتعمد صيام الأيام البيض وهو يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ، على ما روي فيها مخافة أن يجعل صيامها واجبا، وروي أن صيام الأيام الغر وهي أول يوم ، ويوم عشر ، ويوم عشرين صيام الدهر، وأن ذلك كان صوم مالك رحمه الله ، انتهى.

                                                                                                                            وقال في فرض العين: المرغب فيه من الشهور المحرم ورجب وشعبان، ومن الأيام ست من شوال، ويستحب أن لا توصل بيوم الفطر، انتهى.

                                                                                                                            وقال في الذخيرة : وفي مسلم : " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال " ، الحديث . واستحب مالك صيامها في غيره خوفا من إلحاقها رمضان عند الجهال، وإنما عينه الشرع من شوال للخفة على المكلف بقربه من الصوم، وإلا فالمقصود حاصل من غيره فيشرع التأخير جمعا بين المصلحتين، ومعنى قوله : فكأنما صام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة أشهر والستة بستين كملت السنة ، فإذا تكرر ذلك في السنين فكأنما صام الدهر، واستحب مالك صيام ثلاثة من كل شهر ، وكان يصومها ؛ أوله وعاشره ، والعشرين، وهي الأيام الغر، واختار أبو الحسن تعجيلها أوله وهي صيام الدهر، انتهى.

                                                                                                                            وفي العمدة لابن عسكر : ويستحب صيام البيض وثلاثة أيام من كل شهر ويوم الاثنين والخميس، انتهى.

                                                                                                                            وقال الشبيبي : إنما كرهها مالك مخافة أن تلحق برمضان، وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها، واستحب صيامها في غير شوال لحصول المقصود من تضاعف أيامها وأيام رمضان حتى تبلغ عدة الأيام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله " وصيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام سنة ، ومحل تعيينها في شوال على التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا لتخصيص حكمها بذلك؛ إذ لو صامها في عشر ذي الحجة لكان ذلك أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك، انتهى.

                                                                                                                            ونقل في التوضيح قوله : لو صامها في عشر ذي الحجة إلخ، عن الجواهر . وقال في العارضة : وصل الصوم بأوائل شوال مكروه جدا؛ لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان، وكما لا يتقدم لا يشيع ، ومن صام رمضان وستة أيام كمن صام الدهر قطعا لقوله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها كان من شوال أو من غيره، وإنما كان من غيره أفضل ومن أوسطه أفضل من أوله وهذا بين، وهو أحوط للشريعة وأذهب للبدعة. [ ص: 415 ] وروى ابن المبارك والشافعي أنها من أول شوال، ولست أراه، ولو علمت من يصومها من أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به، وأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة غيروا دينهم، انتهى.

                                                                                                                            وقال في الذخيرة إثر كلامه السابق: سؤال في قوله : فكأنما صام الدهر يشترط في التشبيه المساواة أو المقاربة، وههنا ليس كذلك، والأجر على قدر العمل ولا مداناة بين عشر الشيء وكله، جوابه: معناه فكأنما صام الدهر لو كان من غير هذه الأمة .

                                                                                                                            ( تنبيه ) : هذا الأجر مختلف: فخمسة أسداسه الناشئة عن رمضان أعظم أجرا؛ لكونها ثواب الواجب، وسدسه ثواب النفل.

                                                                                                                            وإنما قال: ( بست ) ، ولم يقل: بستة ، وهو الأصل لوجوب تأنيث المذكر في العدد ؛ لأن العرب تغلب الليالي على الأيام لسبقها. انتهى كلام الذخيرة .

                                                                                                                            ( فرع ) : من المكروه: الوصال، والدخول على الأهل، والنظر إليهن، وفضول القول والعمل، وإدخال الفم كل رطب له طعم، والإكثار من النوم بالنهار. نقلها القاضي عياض وابن جزي، والله أعلم.

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية