( تنبيهات ) : الأول: قال في الذخيرة : وهو عاشر المحرم، وقال الشافعي : التاسع لأنه مأخوذ من إظماء الإبل، وعادتهم يسمون الثالث ربعا والرابع خمسا.
( قلت ) : ظاهر كلامه في المقدمات أن الخلاف في المذهب، ونصه: واختلف فيه، فقيل: العاشر، وقيل: التاسع، فمن أراد أن يتحرى صامهما، انتهى.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد واصبح يوم التاسع صائما، فقيل له: أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم؟ قال: نعم . لكن يعارضه ما رواه مسلم أيضا أنه عليه السلام قال: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي " قال في الإكمال : قيل في عاشوراء: إنه التاسع، وقال مالك والأكثر: هو العاشر، وهو الذي تدل عليه الأحاديث كلها، وقوله: " لئن بقيت لأصومن التاسع " يدل على أنه كان يصوم العاشر، وهذا لم يصمه، انتهى.
وقال الشيخ زروق في شرح القرطبية : اختلف فيه، فقيل: التاسع، وقيل: العاشر، واستحب بعض العلماء يوما قبله ويوما بعده، وهذا الذي ذكره عن بعض العلماء غريب لم أقف عليه، والله أعلم.
وقال الشيخ يوسف بن عمر : ويستحب صيام التاسع، وقال بعضهم: وكذلك الحادي عشر احتياطا لعله نقص الشهر، وقال فيه أيضا: قيل: سمي عاشوراء؛ لأن عشرة من الأنبياء أكرمهم الله فيه بعشر كرامات.
الثاني: قال في المقدمات : أفضل الأيام للصيام بعد رمضان يوم عاشوراء، وقد كان هو الفرض قبل رمضان. قالالفاكهاني في شرح الرسالة : انظر تفضيله عاشوراء على يوم عرفة، وقد جاء في الصحيح أن عرفة تكفر السنة التي قبله والتي بعده، وأن عاشوراء تكفر التي قبله، والتكفير منوط بالأفضلية، فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل، انتهى.
( قلت ) : ففي كلامه ميل إلى تفضيل يوم عرفة وهو الظاهر .
الثالث: قال في التوضيح : وإنما كان يوم عرفة يكفر سنتين ويوم عاشوراء يكفر سنة ؛ لأن يوم عرفة يوم محمدي ويوم عاشوراء يوم موسوي.
الرابع: قال ابن حبيب : يستحب في يوم عاشوراء التوسعة على العيال، وقال في المدخل : الموسم الثالث من المواسم الشرعية يوم عاشوراء، والتوسعة فيه على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليها، بحيث لا يجهل ذلك. لكن بشرط عدم التكلف، وأن لا يصير ذلك سنة يستن بها لا بد من فعلها، فإن وصل إلى هذا الحد لا بد أن يفعلها سيما إن كان من أهل العلم وممن [ ص: 404 ] يقتدى به، ولم يكن لمن مضى فيه طعام معلوم لا بد من فعله، وكان بعض العلماء يتركون النفقة فيه قصدا لينبهوا على أنها ليست بواجبة، وأما ما يفعلونه اليوم من أن عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيرها وطبخ الحبوب وغيره، فلم يكن السلف يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير لا في المأكول، ثم قال: ومما أحدثوه فيه من البدع زيارة القبور، وزيارة القبور في هذا اليوم المعلوم بدعة مطلقا للرجال والنساء، ومن البدع التي أحدثها النساء فيه دخول الجامع العتيق بمصر، واستعمالهن الحناء في هذا اليوم على كل حال، فمن لم تفعلها فكأنها ما قامت بحق عاشوراء، ومن ذلك محرهن الكتان فيه وتسريحه وغزله وتبييضه ويشلنه ليخطن به الكفن ويزعمن أن منكرا ونكيرا لا يأتيان من كفنه مخيط بذلك الغزل، وهذا فيه من الافتراء والتحكم في دين الله ما هو ظاهر، ومما أحدثوا فيه من البدع البخور فمن لم يشتره منهن في ذلك اليوم ويتبخر به فكأنه ارتكب أمرا عظيما، وكونه سنة عندهم لا بد من فعلها، وادخارهن له طول السنة يتبخرن به إلى أن يأتي عاشوراء الثاني، ويزعمن أنه إذا تبخر به المسجون خرج من سجنه، وأنه يبرئ من العين والنظرة، والمصاب والموعوك، وهذا أمر خطر؛ لأنه يحتاج إلى توقيف من صاحب الشريعة، فلم يبق إلا أنه أمر باطل فعلنه من تلقاء أنفسهن.
( قلت ) : وقد سئل الحافظ عبد الرحيم العراقي الشافعي عن أكل الدجاج والحبوب يوم عاشوراء، أهو مباح أو محرم؟ فأجاب بأنه من جملة المباحات، فإن اقترنت به نية صالحة فهو من الطاعات، قال: وذكر أن بعض أهل العصر أفتى بتحريم ذلك في هذا اليوم، وأنه لا يستحب فيه شيء غير الصوم، قال: فسألت عنه فإذا هو ممن ينتحل فتاوى الشيخ تقي الدين بن تيمية فنظرت بعض فتاوى الشيخ تقي الدين المتعلقة بذلك فوجدته سئل عن أشياء تتعلق بيوم عاشوراء، ومن المسؤول عنه ذبح الدجاج وطبخ الحبوب في هذا اليوم فأجاب ليس شيء من ذلك سنة في هذا اليوم بل هو بدعة لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلها هو ولا أصحابه، ثم ذكر حديثا عن أبي هريرة يتضمن الأمر بصيامه والتوسعة فيه على العيال وإحياء ليلته والصلاة فيه، وأن من اغتسل فيه لم يمرض إلا مرض الموت، ومن اكتحل فيه لم ترمد عينه في تلك السنة ، ثم قال: وقد علم أنه لم يستحب أحد من أئمة الإسلام، ولا روى أحد من أئمة الحديث ما فيه استحباب الاغتسال في يوم عاشوراء، ولا الكحل والخضاب، وتوسيع النفقة، ولا الصلاة المذكورة، ولا إحياء ليلة عاشوراء، ولا أمثال ذلك مما تضمنه هذا الحديث، ولا ذكروا في ذلك سنة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلى ما بلغني في ذلك ما رواه ابن عيينة عن محمد بن المنتشر أنه من وسع على أهل يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، قال ابن المنتشر، جربناه ستين سنة فوجدناه حقا، ثم اعترض على ابن المنتشر فيما ذكره، ثم قال العراقي : ولقد تعجبت من وقوع هذا الكلام من هذا الإمام الذي تقول أصحابه: إنه أحاط بالسنة علما، وخبرة، وقوله: لم يستحب أحد من أئمة الإسلام توسيع النفقة على الأهل يوم عاشوراء، وقد قال بذلك عمر بن الخطاب ، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن المنتشر، وابنه، وأبو الزبير، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة وغيرهم من المتأخرين، وأما قوله : ولا روى أحد من أئمة الحديث ما فيه استحباب ذلك فليس كذلك، فقد رواه من أئمة الحديث في كتبهم المشهورة الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب، وابن عبد البر في الاستذكار، وغيرهم من أئمة الحديث، وأما قوله : ولا ذكروا في ذلك سنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كذلك، فقد رواه ابن عبد البر في الاستذكار، عن عمر بن الخطاب بإسناد جيد، ثم ذكر من حديث شعبة عن ابن الزبير عن جابر أنه قال [ ص: 405 ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته " ، قال: جابر : جربناه فوجدناه كذلك. وقال ابن الزبير مثله، وقال شعبة مثله، رواه ابن عبد البر في الاستذكار، ورجاله رجال الصحيح، ثم ذكر من حديث ابن مسعود نحوه، وقال: رواه الطبراني في الكبير، ثم ذكر حديث ابن مسعود من طريق آخر بزيادة فيه، وهي: " أنا الضامن له كل درهم ينفق يوم عاشوراء يريد به ما عند الله حسب بسبعمائة ألف في سبيل الله وكان عند الله أكثر ثوابا ممن في السماوات والأرض، ومن تصدق في يوم عاشوراء فكأنما تصدق على ذرية آدم صلوات الله عليه وسلامه " قال ابن عساكر : حديث غريب جدا .
قال العراقي : هو حديث منكر، ثم قال العراقي : واعلم أن حديث ابن مسعود في التوسعة ليس في شيء من الكتب الستة، فلا يغتر بذكر ابن الأثير له في جامع الأصول، فإن ذلك وهم عجيب، قال: وهذا الكتاب كأنه ليس بمحرر، فإن فيه عدة أوهام، وأعجب من ذلك أن أخاه ذكر في اختصاره لجامع الأصول هذا الحديث، وعلم عليه علامة البخاري ومسلم، وهذا غلط فاحش منهما، والحديث ليس في شيء من الكتب الستة البتة، ثم ذكر من حديث أبي هريرة نحو حديث جابر المتقدم، وقال: رواه البيهقي في الشعب، ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي ذكره ابن تيمية وقال: إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات، وقال: هذا حديث لا يشك عاقل في وضعه، وأن ابن تيمية قال: لا يجوز أن يقال هذا مؤمن فضلا عن أن يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم قال العراقي : والحق ما قاله ابن الجوزي وابن تيمية من أنه حديث موضوع، ثم ذكر من حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر نحو حديث جابر المتقدم، ثم قال: هذا ما وقع لنا من الأحاديث المرفوعة وأصحها حديث جابر من الطريق الأولى.
ثم روي بسنده عن عمر بن الخطاب موقوفا: " من وسع على أهله ليلة عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة " ، قال يحيى بن سعيد : جربنا ذلك فوجدناه حقا، قال: وإسناده جيد، انتهى ملخصا من جزء للحافظ العراقي نحو الكراس. وذكر السخاوي عن العراقي في أماليه أنه قال في طريق جابر التي ذكرها في الاستذكار : إنها على شرط مسلم . قلت: وقد علم من هذا أنه لم يقف على شيء في الخصال التي يذكر أنها تفعل في يوم الصوم والتوسعة على العيال.
وقد روى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: " من اكتحل يوم عاشوراء بالإثمد لم ترمد عينه أبدا " ، قال الحاكم : إنه منكر.
قال ابن حجر : هو موضوع، أورده ابن الجوزي في الموضوعات . قال الحاكم : والاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين، ذكر ذلك السخاوي في المقاصد الحسنة، وفي الأثر الذي ذكره عمر التوسعة على الأهل في ليلة عاشوراء، وفي الأحاديث السابقة التوسعة على الأهل في يوم عاشوراء فينبغي أن يوسع على الأهل فيهما، وقال الشيخ زروق في شرح القرطبية : فيوسع يومه وليلته من غير إسراف ولا مرآة ولا مماراة، وقد جرب ذلك جماعة من العلماء فصح، انتهى.
وقال الشيخ يوسف بن عمر في باب جمل من الفرائض: ويستحب التوسعة في النفقة على العيال ليلة عاشوراء، واختلف هل هي ليلة العاشر أو ليلة الحادي عشر؟ انتهى.
( قلت ) : وقد ذكروا فيما يفعل يوم عاشوراء اثنتي عشرة خصلة: وهي الصلاة، والصوم، والصدقة، والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة المريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة، وصلة الرحم. وقد نظمها بعضهم فقال:
في يوم عاشوراء عشر يتصل بها اثنان لها فضل نقل
[ ص: 406 ]صم صل زر عالما عد واكتحل رأس اليتيم امسح تصدق واغتسل
وسع على العيال قلم ظفرا وسورة الإخلاص ألفا تقرا
( قلت ) : ظاهر كلامه أن ما قاله هو المذهب، وليس كذلك، بل هو قول ابن حبيب، قال ابن الحاجب : والمشهور أن عاشوراء كغيره، قال في التوضيح : أي في أنه لا يجزئ إلا بنية من الليل، والشاذ لابن حبيب : صحة صومه بنية من النهار، انتهى.
وقال ابن عرفة : والمشهور أن عاشوراء كغيره. الباجي عن ابن حبيب : خص بصحته من لم يبيته أو أتمه بعد أكل، انتهى.
وسيأتي الكلام على صومه قضاء أو تطوعا لمن عليه قضاء رمضان عند قول المصنف: وتطوع قبل نذر أو قضاء، والله أعلم .
( فائدة ) : قال القباب : قال القاضي أبو الفضل في المشارق : عاشوراء اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية، قاله ابن دريد، انتهى.
ولفظ المشارق يوم عاشوراء ممدود، قال ابن دريد : سمي في الإسلام لم يعرف في الجاهلية، وليس في كلامهم فاعولاء. وحكي عن ابن الأعرابي : أنه سمى خابوراء، ولم يثبته ابن دريد ولا عرفه، وحكى أبو عمر والشيباني في عاشوراء القصر، انتهى.


