الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( وكف لسان ) ش: يعني أنه يستحب للصائم أن يكف لسانه عن الإكثار من الكلام المباح، والكلام بغير ذكر الله  سبحانه، وأما كف اللسان عن الغيبة والنميمة والكلام الفاحش فواجب في غير الصوم، ويتأكد وجوبه في الصوم ولكنه لا يبطل به الصوم، والله أعلم.

                                                                                                                            ( تنبيهات ) :

                                                                                                                            الأول: لا يقال مراد المصنف أنه مستحب بالنسبة إلى الصوم ؛ إذ يصح الصوم بدونه، ولكنه غير كامل، أو لا يترتب عليه ثواب كما سيأتي، وبالكف يحصل كمال الصوم ؛ لأنا نقول: صحة الصوم مع عدم الكف لا تصيره مستحبا، بل هو باق على وجوبه، لكنه ليس بشرط في صحة الصوم، وقد قال ابن ناجي وغيره في شرح الرسالة : ينبغي هنا للوجوب قال: وإنما خص رمضان وإن كان غيره كذلك ؛ لأن المعصية تغلظ بحسب الزمان والمكان، انتهى.

                                                                                                                            وأما ما ذكره الشيخ يوسف بن عمر عن بعض الشيوخ فغير ظاهر فتأمله. ونص ما ذكره عن بعض الشيوخ أنه قال في شرح قول الرسالة : وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ينبغي على بابه ؛ لأن كف اللسان عن المعصية والنميمة وغير ذلك وإن كان واجبا إلا أنه لما كان لا تأثير له في فساد الصوم حمل على الاستحباب.

                                                                                                                            الثاني: روي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة " . ذكره في الإحياء، قال العراقي في تخريجه: رواه الأزدي في الضعفاء . وقال في الإحياء : قال سفيان : الغيبة تفسد الصوم. وعن مجاهد خصلتان يفسدان الصوم الغيبة والكذب انتهى.

                                                                                                                            قال القسطلاني في شرح البخاري : والجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم، ثم ذكر ما ذكره في الإحياء عن سفيان ومجاهد، ثم قال: والمعروف عن مجاهد : خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة، والكذب . رواه ابن أبي شيبة . ثم نقل عن السبكي أن ملابسة المعاصي تمنع ثواب الصوم إجماعا، قال: وفيه نظر لمشقة الاحتراز. نعم إن كثر توجهت المقالة، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : يشهد لما حكاه السبكي حديث البخاري : " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وروى أصحاب السنن ورواه الطبراني بلفظ: " من لم يدع الخنا والكذب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه " ذكره في الترغيب والترهيب، [ ص: 397 ] وحديث ابن ماجه والنسائي : " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش " رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، وابن حبان في صحيحه ذكره في الترغيب أيضا.

                                                                                                                            الثالث: ورد في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام ، قال: " إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم " هذا لفظ البخاري، والرفث يراد به الجماع، والفحش من القول، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع، قال صاحب الترغيب : وقال كثير من العلماء: المراد به في هذا الحديث الفحش ورديء الكلام، انتهى.

                                                                                                                            والصخب : الصياح، واختلف في قوله صلى الله عليه وسلم : " فليقل إني صائم " فقيل: إنه يقوله بلسانه ويسمع ذلك للذي شاتمه لعله ينزجر. وقيل: يقوله بقلبه لينكف به عن المشاتمة. قال النووي في الأذكار : والأول أظهر، انتهى.

                                                                                                                            ( قلت ) : وهو الذي يظهر من كلام ابن حبيب في الواضحة، فإنه قال بعد أن ذكر الحديث بلفظ: " فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم " قال عبد الملك : يعني أن الصيام يحجزني عن الرد عليك، انتهى.

                                                                                                                            قال النووي : ومعنى شاتمه أظهر شتمه متعرضا لمشاتمته. وقال في العارضة في قوله عليه السلام : " إن جهل على أحدكم جاهل فليقل: إني صائم " لم يختلفوا أنه يصرح بذلك في الفريضة، واختلفوا في التطوع، والأصح أنه لا يصرح به وليقل لنفسه: إني صائم فكيف أقول الرفث؟ انتهى.

                                                                                                                            وانظر حاشية الموطأ للجلال السيوطي، وقال في جامع الأمهات للسنوسي : روى أبو داود، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقولن أحدكم: إني قمت رمضان كله وصمته كله " فلا أدري أكره التزكية، أو قال لا بد من نومة أو رقدة، ولا بأس أن يقول الرجل: إني صائم معتذرا، ولا يقوله متحدثا ولا متزينا، انتهى.

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية